fbpx
مقالات

نظرية المؤامرة ومحنة العقل العربي

بقلم : محمد نبيل الشيمي

فى عام 1930 ظهر مصطلح نظرية المؤامرة ليكون احد المصطلحات المستخدمة فى موضوعات السياسة والاجتماع وكان الظهور ضمن مقال يتناول شئون الاقتصاد … وذاع انتشاره منذ عام .1960 …. وغدا ضمن مصطلحات قاموس اكسفورد اعتبارا من عام1997.
وفقا لمعجم المعانى العربية فان المؤامرة تعنى المكبدة وهى من اصل الفعل امر وتأتى بمعنى التشاور والامارة وجاء في الوجيز امر وهو فعل مصدر كلمة مؤامرة وامر فلانا بمعني كلفة بشيئ والقوم تا مروا اي تشاوروا حول فلانا اي اتفقوا علي ايذائه.
وجاء فى ويكيديا الموسوعة االحرة ان نظرية المؤامرة ” عبارة عن محاولة لشرح السبب النهائى لحدث او سلسلة من الاحداث السياسية والاجتماعية او التاريخية على انها اسرار وغالبا ما يحال الامر الى عصبة متأمرة بشكل منظم هى وراء الاحداث “…. ووفقا للمصدر فان منظمى نظرية المؤامرة يدعون ان الاحداث الكبرى فى التاريخ قد هيمن عليها المتآمرون ومن خلال الكواليس أدارو الاحداث السياسية …. بهذا التصور للنظرية يتم تفسير الاحداث بكونها من فعل شخص او جهة منافسة ومن ثم يفتقر التحليل الى اى معطيات واقعية او منطقية او حتى استخدام اى منهج للاستنتاج للوصول الى الحقيقة – وكما يشير البعض فان نظرية المؤامرة هى اقصر طريق عند المؤمنين بها او الذين يعتقدونها لا تزال الحمل عن الكاهل (اى بمعنى رفع اللوم عن النفس تلافيا للشعور بالذنب ) … بعيدا عن المنهج العلمى والتفكير المنطقى للوصول على حقيقة وقوع حدث ما وهى وسيلة بعض العقول لابقاء التهم على الاخرين وهي عند البعض شماعة نعلق عليها ما نرتكبه من اخطاء بقصد ابراء الذمة مناي مسؤليات واخرون يرونها عملية القصد منها احيانا التنصل من عناء البحث عن اسباب وقوع شيئ ما– ولذا فان مصطلح المؤامرة يزيد انتشارا بين الشعوب التى تتسم بالجمود الثقافى و التى ترزخ حكم مستبد يفيد الابداع ويضيق بالرأى الاخر والعاجز عن طرح حلول للمشكلات التى يعانى منها ومن ثم فان ارجاع كل ما يحدث الى فكرة المؤامرة الهدف منه التغرير بالوعى ومحاربة محاولات تنوير العقول واستمرار قولبتها بما يخدم اغراض واهداف الاستبداد وان كان هناك من يستغلها لزرع العقول بالوهم – وما اكثرهم فى عالمنا العربى هذا العالم الذى يعانى من عجز مزمن على ادراك الحداثة وغير قادر على فهم قيمة التفكيروالواقع ان الغرب كان اسير نظرية المؤامرة حتى بداية مرحلة التنوير والتى بدأت بالاصلاح الدينى وتنامى دور الفلاسفة والمفكرين على حساب الفكر الظلامى الذى كان يشجع على الخرافات والافكار والرجعية حتى ان مفكرا فى حجم وليام شكسبيراستخدم فكرة المؤامرة كأحد محاور احدى مسرحياته حيث تضمنت بصورة لا تقبل الشك ما يشير الى ان هناك مؤامرة ضد القيصرالمغدور به من خلال وزيره الذى دفع الخنجر فى ظهره – حيث قال القيصر كلمته المشهورة التى اصبحت كأحدى الحكم البالغة التى تدل على المؤامرة والخسة ” حتى انت يابروتس ” والواقع انه لا يمكن مطلقا انكارأن التآمر شىء واقع وجزء من نسيج حياة البشرر واثبتت الوقائع التاريخية أن هناك احداثا وقعت كان التآمر جزءا من أسبابها … اي ان الامر لا يعنى مطلقا أن يرجع كل شىء الى ان هناك مؤامرة …. وفى الوقت نفسه يكون من الخطأ ان نتجاهل على الاطلاق وجود المؤامرة خاصة عندما يتوافر لدينا الدلالات اليقينية على وجودها … ولكن الواقع العربى يعمل على تشجيع العجز عن فعل اى شىء فى مواجهة ما يحدث وتحول مفهوم المؤامرة من رؤية تفسيرية الى مخدر ومثبط للعقول ومغيبا لوعى المواطن العربى بحيث اصبح يبرر الواقع دون بحث عن اسباب الحدث بانفعالية ثم تتحول هذه الحالة الانفعالية الى ظاهرة مزمنة وشائعة بين لناس ولا يقتصر ذلك على العوام منهم بل امتد ذلك بالتأثير على قطاعات هامة تؤثر على الرأى العام ونراها الان تسيطر على مفردات بعض الكتاب والمثقفين فى العالم العربى .
لقد اسرف العقل العربى فى استخدام فكرة او نظرية المؤامرة حتى اصبحت عقولنا مستقرة عند صورة ” االمتلقبة” من خلال ثقافة تبشر بحالة العجز والوهن وعدم القدرة على استشراف المستقبل ويملك القدرة على ادارة المواقف والتصرف – لقد اسرفنا فى استخدام فكرة المؤامرة لتغطية عجزنا فى كافة الميادين ومازلنا على عهدنا من الفشل السياسى والاقتصادى والمبالغة فى اتهام غيرنا بالتربص بن دون أن تدرك ان مصالح غيرنا تحتم عليه أن يقوم بفعل كل يهمه دون نظر لمصالحنا وهكذا يظل الفكر العربى فى محنة …. – فابستثناء فترات قليلة من التاريخ العربى وقف العرب عاجزون امام تحديات الحداثة بفعل مورثات حان الوقت لتصحيح مفاهيمها – ان الخروج عن المنهج التبريرى الذى تسوقه نظرية المؤامرة رهن بتعميق القيم الديمقراطية القائمة على تعدد الرؤى والافكار وازالة اسباب الانسداد التفكيرى الذى يحول من القدرة على الابداع والتفكير والتحليل السليم لما يقع من أحداث …. اصبحنا كعرب فى حاجة ماسة الى فك قيود العقل العربى …. وتحريره من قبضة التخلف ومنطق التبرير اللاعقلانى … نريد عالما عربيا وقد تخلص مواطنوه من الاحساس بالقهر والاستلاب …. تريد نظما عربية تشجع وتعمل على ارساء التفكير واطلاق قرائح المثقفين الملتزمين كى يخرجوا هذا المجتمع من قوقعة الجمود الفكرى … نريد عالما عربيا يشجع البحث العلمى ويجود التعليم ويطور االخطاب الدينى …. ويقبل الغير ويعلى من قيم المواطنة حتى لا تستمر نظرية المؤامرة احد اهم معوقات الفكر العربى للانطلاق …. ما عدا ذلك سيظل هذا الفكرفى محنة .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق