fbpx
تقدير الموقف

مكانة الإعلام في السياسة الأمريكية

أعداد : د. حسن سعد عبد الحميد
كلية العلوم السياسية \ جامعة النهرين

– المركز الديمقراطي العربي

مدخل
يُعد الأعلام بوسائله المختلفة أداة مهمة من أدوات الصراع وتصادم المصالح الذي ميز العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية ، فالطبيعة الأيديولوجية التي ميزت المرحلة اللاحقة أدت إلى زيادة الجهود التي بذلتها القوى العظمى من اجل التأثير المباشر في الأراء السياسية والتوجهات العامة للشعوب ، لهذا أستخدمت وسائل الأعلام وعلى نطاق واسع في مجالات الحرب النفسية والدعاية من أجل تحقيق الأهداف المرجوه .

لقد أدركت الولايات المتحدة وخصوصاً بعد تفكك منافسها الأيديولوجي الأتحاد السوفيتي أهمية السيطرة على قطاع الأعلام والأتصالات من أجل التحكم بـِ “مجتمع الإعلام ” الذي سيكون مجتمع القرن القادم ، حيث حاولت أن تتدخل مالياً وسياسياً ودبلوماسياً في هذا القطاع للحفاظ على نفوذها في العالم .

تأثير الإعلام في السياسة الامريكية:

كثيرة هي العناوين الفرعية التي ترتبط بالسياسة الأمريكية ولعل في مقدمتها الإعلام ، فالإعلام علاقة اتصالية تستهدف تزويد الناس بالأخبار والمعلومات والوقائع التي تساعدهم في تكوين رأي عام سليم لواقعة من الوقائع أو مشكلة من المشاكل ، بحيث يعبر هذا الرأي عن عقلية الجماهير وميولهم أزائها .
وفي الولايات المتحدة الطريقة قد تختلف القضية نوعاً ما ، فإذا كان الإعلام علاقة أتصالية تستهدف نقل الأخبار والوقائع بصورة حقائق كما هي على أرض الواقع ، إلاَ أن الأعلام الأمريكي يتعامل مع تلك الأخبار بصيغة حقائق بغض النظر عن كونها حقيقة أم لا ، فوسائل الإعلام في أمريكا تأخذ المعلومة من أرض الواقع لتدخلها إلى مختبر ( الفكر والتحليل ) ، ثم تعيدهُ إلى أرض الواقع بمعيار القياس الأمريكي ( البراغماتية ) أي قيمة النتيجة الناجمة بصرف النظر عن غير ذلك من القيم ، حيث يكون الهدف من وراء ذلك التأثير بمنظومة الرأي العام الأمريكي أولاً ثم العالمي لاحقاً .

وقد هيأت السيطرة الأمريكية على الصحافة والإعلام وتقنيات الأتصال الحديثة قبول ( الرأي العام ) ولفترات طويلة النظرة الأمريكية للعالم ، بأعتبار أن الولايات المتحدة ما زالت تواجه الأشرار الذين يضمرون الشر لها في كل مكان ، وهنا نجد الكاتب ( ميشال بوغنون ) يوضح هذه الفكرة بالقول (( أن الولايات المتحدة بارعة في صناعة الرأي العام وقولبة تفكيره وتنميط مواقفه ، وهم مدينون بذلك لخبرتهم الطويلة في مجال الإعلان والدعايه وأحتكار كبريات وكالات الصحافة الدولية ، وقوتهم المالية ، فضلاً عن الدور المؤثر الذي تلعبهُ ( هوليود ) صاحبة المدافع الأعلامية الكبيرة العابرة للقارات في هذا المجال ، فالسياسة الأمريكية قد تصنع أحياناً في هوليود بدلاً من واشنطن .

ويمكن القول أن وسائل الإعلام تؤدي وظائف مختلفة في تنفيذ السياسة الأمريكية ، ويأتي في مقدمتها أن هذه الوسائل قنوات غير شخصية يستخدمها صانعو السياسات الحكومية في تأدية أدوار مهمة في تشكيل وتكوين الرأي العام حول قضايا السياسة الأمريكية ، وتلعب دوراً مهماً في صياغة سياسة دعم الحكومة ، فالإعلام الأمريكي أصبح من القوة إلى درجة انهُ هو الذي يصنع جدول اعمال الدولة في بعض الأحيان بدلاً من الحكومة.
وبهذا الصدد يبين عالم التربية الأمريكي ( جيروم برونر ) المختص بدراسة التفكير والتربية عن أثر الإعلام في قولبة المزاج العالم الأمريكي (( ان الناس يتذكرون (10% ) مما يسمعونه فقط ، و (30% ) مما يقرأونه ،في حين يصل ما يتذكرونه من بين ما يرونه أو يقومون به إلى( 80% ))) ، وهذه الصورة توضح سبب سعي الولايات المتحدة العمل على بناء سياسات أعلامية تستند على التوجهات الجديدة التي تدعم مخططها العالمي للهيمنة ، فالولايات المتحدة أيقنت ان الإعلام سيكون احد الدعائم الكبرى إلى جانب القوة الأقتصادية والعسكرية من أجل السيطرة على أتجاهات التفكير والمواقف والسلوك العام للقوى القائمة على الساحة الدولية.

تاريخياً تعود جذور أول عملية دعائية أعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق ( ودرو ولسن ) حيث أنتخب ( ولسن ) عام ( 1916م ) رافعاً شعار (( سلام بدون أنتصار )) ، في أشارة إلى عدم تورط الولايات المتحدة في خضم الحرب العالمية الأولى ، حيث كان المزاج الامريكي مائلاً إلى الهدوء ولا يرى ضرورة في التورط في حرب عالمية ، إلاَ أن تأسيس لجنة دعائية حكومية في فترة لاحقة أطلق عليها أسم لجنة ( كريل creel ) التي نجحت خلال زمن قياسي قليل من قلب المزاج العام ودخول الولايات المتحدة الحرب من اجل تدمير كل ما هو ألماني ، والدخول للحرب بحجة أنقاذ العالم .

وفي خمسينيات القرن الماضي وتحديداً عام ( 1953م ) تم أنشاء الوكالة الأمريكية للإستعلامات تكون مهمتها إيصال الصوت الامريكي للخارج وزيادة نفوذه في اعقاب الحرب العالمية الثانية ، حيث شرعت الولايات المتحدة بالعمل بفكرة حماية ( العالم الحر ) ، وكان لزاماً عليها ان تُعرف العالم والأمم الأخرى بأبعاد هذه السياسة لأجل غاية واحدة ، تحقيق أهداف الولايات المتحدة في العالم من خلال تأثيرها على الرأي العام في الأمم الأخرى .

وفي ستينيات القرن الماضي برزت موجة أعتراض كبيرة داخل الولايات المتحدة حول النزوع الامريكي للتدخل في شؤون العالم ، ومن هنا بدات الماكنات الإعلامية الأمريكية بعملها ، حيث تم تأسيس أجهزة اعلامية تجيد التلاعب ( في عقول الأمريكيين ) حسب تعبير ( تشومسكي ) ، إذ يشير الأخير إلى ان الولايات المتحدة لا تمتلك وزارة للصدق التي تصور العقيدة أو المبدأ ، فنظامها الإعلامي تسيطر عليه عناصر وظيفتهم تصميم ونشر وخلق جهاز من العقائد والمبادىء التي ستقوض الفكر المستقل ، وتمنع الفهم والتحليل ، وعمل غسيل دماغ جماعي للشعب الأمريكي والذي يؤدي إلى نتائج ظاهرها قرار حر ، باطنها وليد منظومة الفخ ، والتنظير لوجهات نظر الدولة ، وعلى سبيل المثال يعطي ( تشومسكي ) مثالاً عن حرب فيتنام التي تمت بدون مناقشات ومداولات في الولايات المتحدة ، وجرى اللعب على المفاهيم التي كانت تحوي فلسفة الدفاع عن فيتنام الجنوبية ، في حين كنا في الواقع نهاجم فيتنام الشمالية ، ولعل هذا الامر ينطبق نفسه بالنسبة لحاكم ( بنما ) ( نورييغا ) الذي دعمتهُ الولايات المتحدة طويلاً وغضت النظر عن تجارته بالمخدرات ، كونه يتلائم مع المصالح الأمريكية ، وكالعادة انقلب الإعلام الامريكي من ضفة غلى ضفة بسهولة بعد ذلك .

وفي ظل حرب الخليج الثانية وبعدها برزت إلى الساحة الإعلامية الامريكية أساليب مبتكرة لتغطية الأحداث ، وهي ظاهرة ( التصاميم الإيضاحية ) وهي عبارة عن رسوم وخرائط كبرى للمعارك مع تفاصيل لطائرات وآليات وجنود توضح الحركة وآخر المستجدات ، حيث ساعدت هذه الرسوم في شرح المصطلحات الفنية ومنظومات الإسلحة التي يجري ذكرها بالأخبار ، حيث كان الهدف من وراءها تغييب مشهد القتل والدمار على الشاشة ، وأظهار الأمر كأنهُ برنامج ترفيهي دون أن يثير أية نوازع للشك لدى المشاهد الأمريكي . وقد أستخدمت هذه الأدوات وبحذاقة بالغة من قبل الولايات المتحدة قبل شن الحرب على العراق ، وكان بطلها ( كولن باول ) والتي خدعت العالم حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ، ليعود ( باول ) بعد فترة من الزمن ليقول ( لقد خدعت ، عليكم ان تفهموا لم يعد لدي أية أشرار ، لم يعد لدي أي مجريمين ) .

ومع ذلك ليس من المنطقي الحديث عن الإعلام الامريكي من منظار واحد منظار ( الخضوع والأنقياد ) ، إذ ثمة يقظة مجتمعية في أمريكا رغم الجهود المبذولة من هنا وهناك لضبطها والسيطرة عليها لأجل تصنيع القبول ، ففي السبعينيات ظهرت في الولايات المتحدة حركات شعبية مناهضة للإسلحة النووية ولسلوك التدخل الامريكي في شؤون دول العالم ، وعرفت تلك الحركات تضامناً كبيراً لها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ، فضلاً عن الحراك الشعبي الكبير الذي شهدهُ المجتمع الأمريكي ضد عملية غزو العراق .

وبالطبع ليس ثمة وجود لوزارة أعلام في الولايات المتحدة الامريكية ، فمثل هكذا وزارات لم يعد لها وجود سوى في بعض بلدان العالم النامي ، ولكن في الولايات المتحدة هنالك جهات كثيرة معنية بصورة مباشرة وغير مباشرة بالإعلام والأتصال والدعاية ، كوكالة الأستخبارات الأمريكية ووزارة الدفاع الامريكية ووزارة الخارجية الامريكية ……، التي اجادت التحكم بالإعلام ، وكان من ثمارها سيطرة الصورة الامريكية وهيمنتها على الساحة الإعلامية الدولية .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق