fbpx
مقالات

قراءة في الفكر السياسي للخوارج

كتب : محمد نبيل الشيمي

الجذور:-
توفي الرسول (ص) ولم يعين له خليفة وكاد يحدث من جراء ذلك أزمة بين المسلمين حول الخلافة لولا أن بن الخطاب لملم الأمر وبادر بمبايعة أبا بكر وبعدها التف حوله الأكثرية من المهاجرين والأنصار ولكن هذا لم يحول وإصرار على أنه الأحق بالخلافة فهو ابن عم الرسول وأول من آمن بالرسالة ثم هو زوج ابنته الزهراء … وتقديراً منه للشيخ الجليل الصديق قبل علي بخلافة أبي بكر وإن كان بدون رضاء تام … مات أبو بكر موصياً بالخلافة لعمر وبعد وفاة عمر بويع عثمان كخليفة للمسلمين والملاحظ أن عثمان لم يكن في حزم عمر وكان مجاملاً لعشيرته من بني أمية فنشآت الفتن في عهده وحدث الكثير من التجاوزات التي أثرت على علاقات أركان الدولة وأدت إلى إحياء فكرة حق آل البيت بخلافة رسول الله … وفي عام 35هـ / 656م تمت البيعة لعلي يعد مفاوضات طويلة حيث لم يعترف به بعض من أهل الجزيرة العربية وأهل العراق وظل طلحة والزبير في تنافس له في حين رفض معاوية بن ابي سفيان الاعتراف بخلافة علي بل واتهمه بالمشاركة في مقتل عثمان وبدأت المؤامرة ضد علي بعد اتفاق السيدة عائشة مع طلحة والزبير على الانتقام من علي ثأراً لعثمان … وانتهى الأمر بهزيمة هذه المجموعة في موقعة الجمل والتي قتل فيها طلحة والزبير واستمراراً للمعركة عبر على نهر الفرات للقاء جيش معاوية لدفعه أي معاوية إلى الطاعة وفي سهل صفين التقى الجيشان ولم يتمكن أي من الجيشين حسم المعركة ثم نشبت المعركة الحاسمة التي كاد أن ينتصر علياً فيها إلا أن معاوية بعد إشارة من عمرو بن العاص لجأ لرفع المصاحف على أمل أن يكف علياً عن القتال ويقبل بكتاب الله حكماً … وقد قبل علياً بالتحكيم
يرى أوجست مللر (أن خدعة رفع المصاحف تعد من أفظع المهازل التي عرفها التاريخ البشري وأوخمها عاقبة لما أدت إليه من إراقة الدماء بين المسلمين) وهنا ثارالبعض على ذلك حيث رأوا أن الفصل في موضوع خلافة الرسول لا يصح أن يوكل للبشر قائلين “لا حكم إلا لله” ثم تركوا معسكر علي وساروا إلى قرية حروراء وأمروا على أنفسهم عبدالله بن وهب الراسي … وجاء موعد التحكيم واختار علي أبا موسى الأشعري في حين اختار معاوية عمرو بن العاص ـ واجتمع الحكمان بدومة الجندل في عام37هـ / 658م وكانت الخدعة … حيث اتفق المحكمان على خلع الاثنين (علياً ومعاوية ..بدأ الأشعري بخلع علياً ومعاوية وجعل الخلافة لعبدالله بن عمر … وقام بن العاص بخلع عليا وتثبيت معاوية .

هنا بدأت قصة الخوارج
عندما علم أصحاب ومريدي على نتيجة التحكيم وأن أهل الشام نادوا بمعاوية أميراً للمؤمنين حتى خرج عدداً منهم على علي وانضموا إلى الحرورية (نسبة إلى أهل “حروراء) فأطلق عليهم جميعاً اسم الخوارج … فالخوارج أول فرقة سياسية ودينية ظهرت في الإسلام ويطلق عليها الفرقة الاعتقادية حيث أنها في الأصل حركة ثورية شغلت المفكرين وما زالت واختلف الكثيرون في تعريفهم ويرى الشهر ستاني في الملل والنحل ان الخارج هو ” كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان أما ابن حزم الأندلسي عرف الخارج بأنه كل أشبه الخارجين على الإمام على وشاركهم في آرائهم حيث قال “ومن وافق الخوارج من إنكار التحكيم وتكفير أصحاب الكبائر والقول بالخروج على أئمة الجور وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار ، وأن الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي .
الأسباب السياسية التي أدت لخروج الخوارج :-
لم يكن الخوارج طلاب ملك ولكنهم كانوا أصحاب مبدأ وعقيدة وكانوا مثلاً أعلى في الدفاع عما يؤمنون به رغم أنهم كانوا متشددين في كثير من الأمور … كانت العقيدة السياسية لدى الخوارج تقوم على أساس مبدأ تساوي المسلمين فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات لا فضل لفئة على فئة ولا قوم علي قوم … وهذا المبدأ أصلاً يخضع لمقولة رسول الله (ص) كلكم لآدم وآدم من تراب ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ) ومن منطلق ذلك المبدأ أقام الخوارج فكرهم في أصول الحكم وهو أن الخلافة حق من حقوق المسلمين (هي حق يتساوى فيه العربي وغير العربي ويحق للحر والعبد طالما كان طالب الخلافة مستوفياً للشروط الموضوعة لتبوأ المنصب ).. لقد خرجوا نتيجة النزاع حول الخلافة فهم يرون أن معاوية لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لكي يكون خليفة وثاروا على علي لأنه لم يحارب معاوية بصفته مغتصب للخلافة وأنه خدع علياً (يلاحظ أنهم كانوا موافقين على مبدأ التحكيم وتملصوا عنه بعد خدعة عمرو بن العاص ) .
كان الخوارج أشد بغضاً لمعاوية منهم لعلي وعلى الرغم الهزائم المتكررة التي حاقت بهم فلم تلن لهم قناه وامتدت ثوراتهم على الدولة الأموية وكان ذلك من أسباب سقوطها .
لقد استقر لدى الخوارج أن الخلافة ليست من حق قريش وحدها بل هي حق للمسلمين على اختلاف أعراقهم وألوانهم … المعيار الوحيد أن يكون الخليفة مستوفياً للشروط التي وضعوها والخليفة الذي يحيد عن الطريق المستقيم وجب عزله وبعضهم كان يرى أن الخلافة ليست من الضروريات وأنها غير واجبة شرعاً ويمكن الاستغناء عنها باعتبارها مبنية على معاملات الناس .
كان الفكر السياسي للخوارج يؤكد على أن الخليفة يجب أن يكون عادلاً وأي حكم بغير عدل يسقط عن الخليفة العصمة والحق في البقاء في الحكم … ولا يجوز في نظرهم أن يفرض الخليفة على الرعية طاعته من خلال القهر … وإذا فعل ذلك يكون مخلاً ومعانداً لأمر الله .
لقد كان الخوارج ثواراً مقاومين للجور والظلم واستخفاف الحكام بالرعية والحكم المطلق … كانوا ثورة في مواجهة تسلط الخلفاء … كانوا مساندين وداعمين لكل مستضعف في الأرض .
إن الفكر السياسي للخوارج إذا قيس بالفكر السياسي في العصر الحديث يتساوى مع فكرة حق المواطن في الاختبار بدءاً من اختيار ممثليه في المجالس النيابية والمحلية حتى رئاسة الجمهورية … وكان الخوارج بفكرهم رافضين تماماً للحكم الوراثي على اعتبار أنه حكم يمر مباشرة من السلف للخلف دون أن تتوافر في الوريث أي مقومات لتبوأ سدة الحكم … بعض الفقهاء يرى أن من يعارض نظام الحكم في بلدة خارج عن الجماعة بل أن منهم من يكفر المعارضين تقرباً للحكام حتى وهم على خطأ .. أليس ذلك مخالفاً للمقولة الخالدة لرسول الله (ص) “خير الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر) .
كان الخوارج عاشقين للحرية … لم يكن يدور بخلدهم مطلقاً الخروج على الشرعية القائمة على العدل والمساواة … ولكن كان خروجهم على الذين سلبوا الحكم بدون أن يكونوا مؤهلين لذلك … ثم ورثوه بدون وجه حق … إن من الأهمية بمكان أن يبدأ الباحثون قراءة الفكر السياسي للخوارج بموضوعية … فلم يكن الخوارج الفئة الخارجة عن الدين والملة بل كانوا أصحاب قضية ما زالت مطروحة للدراسة والتأمل .
المصادر
– تاريخ الفلسفة العربية حنا الناخوري ، د. خليل الحجر _ دار الجبل بيروت .
– الدولة والحكم في الإسلام د. حسين فوزي النجار .

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى