مقالات

القضية الكردية في مأمن؛ ليست في خطر

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

 

من المؤكد بأن أصل الأزمة السورية- كما كل الأزمات؛ تكون في درجتيها البدائية والنهائية؛ معرفية. وما بينهما من تَدَرُجٍ؛ متعلق ومؤكدٌ لهذه السببية. فيما لو قُدّر أن يتم دعوة قوى المعارضة العلمانية الديمقراطية؛ من ضمنهم ممثلي الشعب الكردي وعموم المكونات السياسية لفيدرالية شمال سوريا إلى اجتماع آستانا، الذي لم يخرج بشيء جديد؛ أشياء مذكورة سابقة تمَّ تحصينها على مستوى قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن؛ حدثت سابقاً. حتى فيما يتعلق بوقف العمليات العدائية/ القتالية أو وقف إطلاق النار؛ فقد تم الاتفاق عليه مسبقاً أكثر من مرة، وفي كل مرة؛ يفشل.

أما عبارة: الاتفاق على تأسيس آلية ثلاثية لوقف إطلاق النار؛ فهي عبارة يقينية؛ تحتمل تناولها العملي؛ مزيداً من التناقض، وتحقيق مثل هكذا آلية يحتاج بحد ذاته وفي حدِّه الأدنى إلى نشر مراقبين أمميين؛ ضماناً وتحقيقاً في تنفيذه، ومن الجدير ذكره هنا بأن وحدات حماية الشعب والمرأة وعموم قوات سوريا الديمقراطية كانت السبّاقة في إعلانها الالتزام بوقف إطلاق النار مع حق الدفاع عن النفس مِنْ مَنْ لا يلتزم بها من القوى المعنيّة في ذلك بالأساس.

والحال عينه؛ فيما لو قُدِّر أن تحضر هذه القوى في اجتماعات/ مباحثات جنيف المنعقدة -بطبيعة الحال لم ترقى حتى اللحظة إلى نمطية المفاوضة- فأين يمكن أن يجلس الديمقراطيون؟

من باب الاستحالة أن تجلس هذه القوى في صَفِّ سلطة البعث؛ أمْ في صف سلطة الإخوان. كما حال اجتماع الآستانة (اجتماع بين البعث والإخوان). أمّا مسألة رضوخ بعض (الأكراد) البقاء في صف الإخوان؛ وقد أصبح لهم أكثر من ثلاث سنوات مؤتلفين مع الإخوان في الائتلاف، ولا حاجة لدلائل عن هيمنة الإخوان واستحواذهم على قرارات الائتلاف؛ مُذْ كان اسمه المجلس الوطني السوري؛ وحتى هذه اللحظات المتداعية فيها الائتلاف، والإنعاش لم ينقطع عنه من جهات إقليمية مستعدة للاستمرار في الانعاش طالما ينفذون أجنداتها، كما حال تركيا وقطر وغيرهما، وأي رفض للإملاءات؛ فالمصير إلى النعش.

القضية الكردية في مأمن:

ليس لذلك علاقة برغبة أو أمنية، إنما نتيجةٌ تم صوغها عملياً مُذْ تم الإعلان عن الإدارات الذاتية الديمقراطية (جوهر الفيدرالية المعبرة عن حل الأزمة السورية والتي تم إعلانها في آذار 2016 من قبل مكونات روج آفا- شمال سوريا، وإعلان هيئتها التنفيذية وإقرار عقدها الاجتماعي في نهاية العام المنصرم)، وإعلان الإدارات الذاتية حدث عشية انعقاد جنيف الثانية 2014؛ المُبيّتة هذه اللحظات؛ في طور السبات والانتهاء الفعلي. على خلافه؛ فإن لحظة إعلان الإدارات بحد ذاتها فهي نتيجة النتائج لميراث فلسفي فكري معرفي مُتأسس في فكر وممارسة حركة الحرية الكردستانية، وتم صوغها بأحرف من دماء آلاف الشهداء؛ على مدى عشرات السنين.

لا شيء يُخلق فجأة؛ ولا شيء يُفنى فجأة كي يختفي أبداً؛ إنما المسألة برمتها؛ متدفقة؛ خاضعة لقوانين الكم والكيف، والقدرة الكلية للطاقة المتولدة في البناء، والطاقة الكلية لهدم المعرقل.

في حقيقة المسألة الكلية لأزمات الشرق الأوسط؛ يظهر لنا على الفور بأن الإدارات الذاتية الديمقراطية إعلان لموت الدولة القومية؛ دول الصدفة والجغرافيات المستحدثة، وإنها في الوقت نفسه إعلان للدول الوطنية على أساس مجتمعاتها.

وهنا؛ وحين القول؛ بأن القضية الكردية في سوريا بمأمن؛ يعني من المؤكد بأنه إحكام ما بين كلاً من القضيتين الوطنية والقومية، وليس ربطاً لها وبها في أجندة الفاشيين؛ كما النظام التركي؛ وكل نظام يفكر على شاكلته، وكل مجموعة تفكر على هذه الشاكلة الشكلية، مثال هؤلاء؛ من وجد نفسه مستدعياً مثل أي مذنب ويحضر في ملحق من ملاحق اجتماع آستانا؛ كما (الأكراد) الذين حضروا تحت إمرة رئيس وفد (المعارضة) الرافض للعلمانية؛ على سبيل المثال لا الحصر.

انتهت الآستانا؛ لكن القضية السورية باقية ومستمرة أزمتها. ولا يمكن الحديث عن وقت محدد لانتهاء هذه الأزمة التي لا تشي إلّا بمزيدٍ من التعميق. لم يبق أي وجود (للمعارضة) في حلب؛ وجعلوا من سيد الخواتم أن يظهر في آستانا، وانتهت آستانا؛ بتوزيع نسخ من ( دستور) مُعلّب مُصَدَّر من خارج سوريا. المطلوب تكثيف جملة كبيرة جداً من التنبيهات وزجِّها؛ بشكل دفعات؛ وفي جهات متعددة. الهدف من كل ذلك هو الإنهاك وصولاً إلى الموت السريري، وانتهاءً بفرض طريقة عيش مُقَدّمة من صناعة غير سوريّة. من الأفضل جداً أننا لم نحضر؛ كي لا نبدو اليوم شريكاً قانونياً لهذه الإخفاقات، وهذا ما يحيلنا جملة وتفصيلاً بأن القضية الكردية بمأمن أو تكاد أن تظهر حيّة حيوية بمعزل عن هذه الإخفاقات؛ علاوة في أن صيغة حلها باتت صيغة الحل الديمقراطي الكلي للأزمة السورية. إذْ ليس من المعقول أن تكون عاجزاً في مكان وناجحاً في مكان آخر على علاقة بمكان ذلك الفشل. إذاً من الأفضل أننا لم نحضر، وربما ستتيقن الجهة/الجهات التي كانت السبب في استبعادنا من حضور اجتماعات الأزمة السورية ومؤتمراتها حتى اللحظة؛ بأنها خدمتْ هنا -دون وعيها ومع كل انتقامها الحقدي- أكثر من أنها أساءت.

إذا كان لزاماً أن نقوله؛ فإنه من المهم ترداد هذه النتيجة المرئية أيضاً: لا صراع كردي كردي في روج آفا، وقد فشلت جميع المزاعم بأن صراعاً كردياً عربياً يكتب له الظهور. إنما التوصيف في النتيجة؛ وجود كتلة تاريخية تنتهي عند مشروعها –الفيدرالية الديمقراطية- الحل السوري؛ وتكتل وقتي تثبت الأيام وأعوام الأزمة السورية بأنهم مُتقاذفٌ بهم؛ مُشَّغّلٌ فيهم؛ يتم استدعائهم حينما يكون الوقت حائناً كي يؤدوا مهام شهود الزور.

ولأن حل القضية الكردية في سوريا بمأمن؛ فإن حل القضية السورية أيضاً في أمان، وحتى حينه؛ يلزم الكثير من الصبر والثبات والسخرية حتى يحين كَنسِ التكتلات العدمية من مختلف مواقعها وتموقعاتها.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى