مقالات

العقيدة وسيناء وأمة العرب ..فلسفة التقدم

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي
رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب
خبير دولي في إعادة تهيئة المؤسسات وإدارة مراحل الانتقال
محاضر القانون الدولي وحقوق الإنسان

الشعوب لا تقدم بلا ثمن… والغنى أو التماسك أو الاستقرار أو التطور وهي كلها من مظاهر القوة الحقيقية للمجتمعات المعاصرة الآمنة ، تعد مظهر ملموس ومحسوس للجماعة الإنسانية أو المجتمع الواحد المنضبط في علاقاته البينية وعلاقاته مع الآخر وفي علاقاته مع المادة والأخلاقيات، وهي بمثابة الشكل النهائي لمنتج التفاعل الواقعي بين كل عناصر التأثير والتفاعلية بين البشر في المجتمع….
والمجتمعات العربية تاريخيا لم يشتد عودها بوحدتها والجيوش القوية فقط ولكن بالعدل والتسامح والعمل المخلص وبنيان سوي من أخلاقيات التعامل الطيبة مع الآخر ، سواء من داخل الجماعة العربية نفسها، أو مع الآخر …
ولعل الخصيصة الأهم التي تسم الجماعة العربية القوية، في مرحلة ما بعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وانتشاره بعد ذلك في ربوع العالم…. هي خصيصة الرحمة… هي أيضا التي لم تكن موجوده قبل الإسلام في الجزيرة العربية..بل وجدت القسوة والتباغض والحروب بين كل قبيلة وجارتها..والاستعباد ووأد البنات وكل بغيض وخال من الرحمة في السلوك الإنساني…
وقبل الإسلام..عندما سادت البداوة..كانت الجزيرة العربية مفتتة ومشتتة قبائل وجماعات ….فجاء الإسلام فجمعها في جماعة واحدة… كانت أهم سمات تلك الجماعة هي التراحم ….
والرحمة في الإسلام ليست مع المسلم فقط…وإلا فقد الإسلام أحد أهم مميزاته التي انتشر بها… والحق سبحانه وتعالى عندما خاطب النبي محمدا بقوله تعالى” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران 159 … لم يكن المقصد فقط من اتبعوا النبي محمدا…ولكن أيضا من لم يتبعه ..لأنه حتما سيرى في رسالة التراحم بين أتباع نفس الدين ، وصفة الرحمة في نبي هذا الدين، ما يقرب غير أتباع الدين لرسوله ومنهجه…وفي رحمة الإسلام بالبشر والنبات والحيوان وحتى الحجر الكثير والكثير… لكن منطق الرحمة في الإسلام يختلف عن منطقه في أي سياق آخر للحياة..لأن الله تعالى قد قرن الرحمة في الإسلام بالتفاف المسلمين حول النبي … واضعا منهجا إنسانيا رفيع القدر في إقرار الرحمة والإنسانية كمناط وكقاعدة يستوي عليها الدين ويرتفع بنيان المجتمع الإسلامي على أساسها…ليس هذا فقط ..بل جاء بالمعاكس لمنطق الرحمة ، وهي الفظاظة والقسوة ، ليقرر في وضوح الشمس في وسط النهار أن الفظاظة والقسوة منفرة في الدعوة ولنقل في السياق من الذم في نهج الفظاظة ما نشاء وما يتسع له المقام ….
ولذلك فما يستحدثه البغاة في شمال سيناء من ترويع المصريين الآمنين، واستهداف مؤخرا طائفة وطنية مصرية هي جزء من صميم قلب هذا الوطن العتيد، وهم الأخوة المسيحيين تحديدا هناك، رسالة شديدة الوضوح على عدة أمور يحسن بنا أن نتدبرها بشيء من الروية …
لعل أكثرها وضوحا وخطرا هو ما تعنيه هذه السلوكيات البربرية، التي تستهدف مصريين شرفاء…فتضرب عرض الحائط بأية دعاوى دينية زائفة يتستر خلف زيفها هؤلاء المعتدون …فالأمر إذن لا هو إسلام ولا دياولو….الأمر مكاسب ومصالح وأموال وضيع في أيدي هؤلاء ومن يخطط ورائهم ..وليحترق الوطن ..وليهان الدين..المهم أنهم ينفذون مسارا رسم لهم بدقة ، لينخروا في جسد هذا الوطن….
ولو كان الأمر فيه مسحة دين ، لما استحلوا لأنفسهم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..سواء كانت نفس مسلمة أو نفس مسيحية ..فالله وحده صاحب العقيدة وهو المحاسب عليها….
والمؤلم في أحداث مصرنا المحروسة، أنها تأتي ويتزامن معها سياقا إقليميا عربيا فاجعا وصادما…يكشف بوضوح، أن أشد المخاطر في مواجهة العرب اليوم هي العقيدة الزائغة والشباب الضحل في سلوكه وعلمه… ولأن العقيدة لدينا لها سلطانها على الأفئدة ، فقد شكلت، وستشكل الوسطية الدينية والاعتدال والقبول بالآخر تحديا خطيرا للدين والاستقرار معا .. لسهولة وقوعنا كمجتمع عربي فريسة سائغة، في شباك الترنح تحت ضربات موجعة ولكنها معلومة تاريخيا، من جماعات التطرف ، التي وجد الأعداء فيهم ساطورا حادا يفلق به جسد المسلمين وجماعتهم ، لتسقط الأنظمة تباعا، تحت وطأة التفسخ الطائفي العقائدي…
أول وأبسط درجات العدل أن نعدل مع أنفسنا كمسلمين ليكتمل بنيان العقيدة لدينا …ثم لو استطعنا أن ننصف أنفسنا بالعدل والفهم..ننصف غيرنا بالاحترام والمحبة والتقدير….
أديان أسماء هي اليهودية والمسيحية والإسلام…. والإيمان بأنبياء الله جزء ركين من إيمان المسلم ….والخلافات الطائفية والمذهبية حول العقيدة هي أدنى وأحط علامات التخلف وعدم استيعاب جوهر الدين وأصل الإيمان بالخالق، والتي استغلها كل عدو وكاره لنا لمعرفتهم بضحالة فكرنا وسهولة إغوائنا تحت مظلة العقيدة والجهاد …… وهي إذن شرك خداعي مميت وقع فيع العرب ومازلنا نترنح حتى سيقع أخرنا بسببه .. ونسينا واجبات إعمار الدنيا بالخير والعلم والنبوغ والبناء …فتخلفنا..
على المجتمع المصري والعربي أن يجتهد لكي تظهر الكنيسة بجوار المسجد في كل مناسبة ..ليعلم الناس ..والبسطاء أولهم ، والمتطرفين أدناهم، أن الإسلام الحقيقي يكتمل بالإيمان بالله وكتبه ورسله..وألا نفرق بين أحد من رسله ..وأن نحافظ على عقول شبابنا ..فنملأها بالمفيد والجاد والصحيح ..بدلا من أن نتركها فراغا ليملأها الكذبة وأدعياء الدين وأيادي الصهيونية البغيضة التي تريد العبث بإنسانيتنا وطمس وجودنا بأيدينا…
مستقبل التقدم في امة العرب رهين بنبذ العنصرية بأشكالها المختلفة ، وكلها بغيضة، وعلى رأسها العنصرية الدينية ..ومن الإيمان بأن عمل البشر الطيب والجاد للنفع العام والعلم والعدل والخير وحسن الأخلاق هي ليست فقط أهم عناصر التفوق والتطور والتمدين في الدنيا، بل أهم معابر العقيدة السوية…والله عادل ولا يقبل بغير العدل.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى