مقالات

الأوجلانية هي الحل

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

 

 

إذا كان هنالك من نتائج توفي التعريف بحقيقة الشعوب الحيّة؛ فإنها وبالمقايسة التاريخية- المعاصرة- الحديثة؛ لحركية الشعوب نفسها؛ أنها ستكون: الشعوب الملتزمة. وأما الالتزام عند الشعوب فإنها تنقسم بدورها إلى منحيين؛

أولاهما: الشعوب الملتزمة بما يوحي لها خارجياً؛ يقوم الخارجي نفسه بالتمهيد لذلك وجعله متجرداً من حرية الاختيار أو يصل إلى درجة لا يملك فيها رفاهية القرار.

وثانيهما: الشعوب الملتزمة بحقائقها الظاهرة أو المُغيّبة بفعل تنمطيات خارجية تريدها أن تضل عن جذورها التاريخية؛ وتحقق بحقها مسائل التبعية ومن ثم الهيمنة المستديمة عليها، في وضع هذه الشعوب فإنها تجهد بقوة كي تستنبت وتستنبط ماهيتها.

ولأننا نعيش في الشرق الأوسط؛ فإن نتيجة النتائج لشعوب ومجتمع الشرق الأوسط تؤكد بأنه أكثر منطقة يجب أن لا تحيا بدون التزام مع حقيقتها، وأن حالة الخواء الفكري هي الفاشية المدمرة لحقيقة الشرق الأوسط طيلة القرون السوداء التي مرت فيها شعوب الشرق على مختلف ثقافاتهم القومية الكردية والعربية والفارسية والتركية والسريان الآشورية والتركمانية والأرمنية وغيرها؛ إلى جانب ثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية: اليهودية والمسيحية والإسلامية والآيزيدية والدرزية وغيرها؛ أيضاً.

يقول أوجلان: (فعلى كل نظام تتاح له فرصة الحل في الشرق الأوسط أن يقوم قبل كل شيء بالمحاسبة الأيديولوجية الناجحة للقوموية والجنسوية والدينوية والعلموية الوضعية.

أما في مجال السياسة العملية؛ فعليه تخصيص حيّز لنشاط المجتمع الديمقراطي غير المتمحور حول الدولة بما يتماشى وغناه الوفير)، وهنا يجب على الدوام توخي الدقة ما بين النزعة الجوفاء للمجتمع المدني؛ أي الدعوات التي تُفْرِغُ المجتمعات من مدنيتها باِسم المجتمع المدني والدعوة إليه، ويجب على النظام الذي تُتاح له فرصة الحل أن يكون مُدرِكاً على ضرورة حقيقة الثقافة الديمقراطية المحلية؛ بل يجب العمل باضطراد على تطوير هذه الثقافة/ ات، أما أولى الوظائف النوعية التي يجب تأديتها غير منقوصة فتكاد تكون الخلاص من ذهنية الفرد المتمحور حول ثقافة السلطة والدولة التي تجذبه إليها وكأنه في حالٍ نومٍ مغناطيسيٍّ؛ مثل هذه الذهنية هي طارئة لم تُخلق من أرض الشرق بل فرضت عليه وباتت تقليداً مستمراً منذ آلاف السنين، ويعتبر مثل هذا التقليد؛ اليوم؛ أكبر العوائق المعترضة/ المعيقة/ المعرقلة في درب الثقافة الديمقراطية.

سندرك حجم الإهانة الكبيرة التي نتعرض لها؛ بشكل يومي؛ حينما ندرك في البداية بأن النشاط الذي ينتج من تقليد الفرد المتمحور حول السلطة هو بمثابة التنكر من أصله المجتمعي وفصل إنسان الشرق الأوسط، وأن مجموع النشاطات التي تصدرها عوادم الذهنية السلطوية تشكل بحد ذاتها؛ ثقافة؛ نصبح من خلالها فاقدين لكل حركة، فنتحول بمجملنا إلى مجتمع خواء لا قيمة له؛ إنما يتعامل معه على أساس أنه كومة من اللحم والغاز يسكنها أناس بلا أفئدة ولا عقول؛ إنما فقط أفواه. رغم هذه الفظاعة فإنه من الشجاعة معرفة حقيقتنا الحالية؛ شرط العبور إلى حقائقنا التاريخية فالمستقبلية.

تعريف جديد للشرق الأوسط: بأنه الديمقراطي:
المراقب لمسرح الشرق الأوسط السياسي يجده على فصول كثيرة متناقضة وعدائية؛ مشهد لا يطيق الآخر؛ بل يلغيه من بِكرة أبيه. والفصول التي رأتها مجتمعات الشرق الأوسط؛ كانت على الدوام نمطية؛ وعلى الدوام فإن السلطة التي تبديها نمطية ثقافية معينة تظهر مع ديمومتها بأن تسلك مسلك الفاشية. وعلى الرغم من وجود تنويع بين هذه الفصول وتناقض ما بينها وأنها إذا ما اجتمعت سوية فإن الثالث يكون الحرب؛ إلّا أنها ودون أن تنتبه؛ تستخدم المصطلحات نفسها؛ المسميّات نفسها؛ الأساليب نفسها؛ ….؛ بغية الوصول إلى النتائج نفسها: أن تبقى لوحدها؛ وغيرها المختلف: لا. فالمحاسبة الأيديولوجية الناجحة هنا بأن الشرق الأوسط لا يتألف من قومية واحدة والسلطة التي تنشأ في حال اصرار إحدى القوميات أن تظهر كذلك في ثنيّاتها؛ فتكون قوموية فاشية على حساب إفناء غيرها؛ والأمثلة كثيرة هنا كما حال التقسيم المفروض على الشرق الأوسط قبل مئة عام لأول مرة منذ خمسة آلاف عام.

كما أن الشرق الأوسط ليس مؤلفاً من دين وحيد؛ وأنها مهبط الأديان السماوية والأرضية؛ وأية سلطة دينية تظهر وفق ذلك؛ لتبدو بأنها على حساب إنهاء الأديان والمعتقدات الأخرى، بنوع غير معقد من التفكير هنا؛ نجد بأن مقترفي مثل هذا التنميط فإنهم يعادون المصدر الأوحد للأديان قبل معاداتهم للمتدينين؛ وأيضاً الأمثلة نجدها كثيرة هنا؛ آخرها؛ ما اقترفته الجماعات التكفيرية الدينوية ضد معتنقي المعتقد الأيزيدي في شنكال/ سنجار. والمحاسبة الأيديولوجية الناجحة هنا بأن الشرق الأوسط لا يتألف من دين وحيد بل مجموعة من الأديان آخرها كان الإسلام وأولها الفاعل كانت الزرداشتية.

وأن الصيغة الأنسب كي تتعايش هذه الأديان لا بد من البحث عن صيغة مثلى للمجتمع الديمقراطي والتي تبدو فيها الدولة بصفة تمثيلية غير متبوعة لدين معين؛ في مثال النظام السوري والذي يقر بأن دين رئيس الجمهورية (العربية) هو (الإسلام)؛ فإن مثل هذا القانون أصبح بمثابة سكين قسم مجتمع سوريا إلى العديد من الأقسام المنحجزة: لا للمرأة كي تكون رئيساً؛ لا لغير العربي أن يكون رئيساً؛ ولا لغير المسلم أن يكون رئيساً؟؟؟.

ومرة أخرى بعيداً عن النزعة الجوفاء للمجتمع المدني التي بات يظهر غالب مناصريه تحت عباءة المواطنة؛ والأخيرة دعوة مبطنة إلى الفاشية؛ ولكنها تبدو مهزوزة مع كل ما تظهره من أبنية مُشيّدة. هذه في الحقيقة أعمدة للقنِّ وليست للأوطان.

ومع وجود فائض كبير لما آل عليه الأمر في الشرق الأوسط فإن مجتمعاتها باتت مستهلكة ريعية؛ من شدة ما استبدت بها أنظمتها السلطوية الاستبدادية إما القوموية أو الدينوية ولما لكليهما من تعنيف مجتمعي على العنصر الأكثر قدرة على التغيير والممثل بالمرأة؛ لذا نجد استطاعة استيراد العلموية الوضعية وليست العلمية البيئية على أشده؛ هنا مرة أخرى تستوجب المحاسبة على يد من يملك مشاريع النهوض والتنوير والتنمية؛ فالانتقال إلى الاستقرار والأمن.

وعليه فإن تعريف أوجلان للشرق الأوسط –انطلاقاً من ضرورة وتأكيد ضرورة إيجاد حل ديمقراطي للقضية الكردية- بأنه ديمقراطي في تاريخه وفي حاضره ولا يمكن أن لا يكون إلا ديمقراطي في مستقبله؛ وأنه أي الشرق الأوسط مجموع من الثقافات المتكاملة وليس مجرد قوميات متناحرة؛ علماً بأن الحق القومي أكثر صوناً في مثل هذا التعريف؛ كما حق المعتقد والدين وغيرها من الحقوق الإفرادية أو الجماعية. وأن الوصول إلى حالة الشرق الأوسط الديمقراطي يلزمه محرك نهوض معرفي؛ خاصة إذا ما أدركنا بأن الأزمة التي نعيشها معرفية بالدرجة الأولى؛ وأن محركات النهوض في تحطيم الحدود المفروضة على شعوب الشرق الأوسط؛ ولكل شعب الحق في العيش بشكله شبه الاستقلال السياسي والاقتصادي، وأن الحالة المثلى لشعوبه هي في الاتحاد الكونفدرالي لها؛ ذلك عن طريق الفيدراليات الديمقراطية؛ مثال ذلك: الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا على أساس الجغرافية وإرادة شعوبها.

في الحقيقة فإن مقاربة أوجلان على ربط حل عادل للقضية الكردية بالقضية العامة في الشرق الأوسط المتمثلة بدمقرطته؛ ربط محكم رصين؛ والتفسير الأكثر مسؤولية في ذلك بأن الشعوب تمتلك وعياً لا تستطع الأنظمة الاستبدادية أن تنال منه، وبفضل مثل هذا الوعي فإنها تظهر بدورها مسؤوليتها تجاه الشعوب الأخرى؛ طبقاً لفترات تاريخية من العيش المشترك فيما بينها؛ تحتِّم عليها أخوّة واحدة ومصير متوحد.

الحرية؛ الاستقلال؛ الدولة
من المؤكد بأنه وفي كل لحظة، توجد مطالب على شكل تساؤلات استراتيجية لم يتم حلها بَعْدُ، ومثل هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات أو حل مُرْضٍ قبل الحديث عن أي شكل من أشكال الاستقرار، غالبا ما تكون التساؤلات بجذور تاريخية عميقة (داخلي المنشأ) ومرتبطة في الوقت نفسه بنمطية صراعات معاصرة على النفوذ (خارجيُّ النفوذ). وفي هذا السياق فإنه يتعذر تعريف القضية الكردية بحالتها الراهنة فقط وهذا لا يتعلق بسبب تفاصيل الحل المحلي فقط والمتعثر بدورها بطغيان الرفض الأغلبي من قبل السلطات الأخرى ومن يمثلونها؛ بعد أعمائها بالنفور والتشوفن طيلة السنين الماضية؛ بل بسبب وضعها الراهن المعقد وتحولها إلى ملف دولي؛ أيضا. ومن الخطأ ربط الحل باللّاحل:

التقسيم والدولة؛ وإن كانت كذلك سنطرح السؤال الاشكالي الأول:

هل استطاعت كل الدول المستحدثة في الشرق دون استثناء أن تكون جالبة للتغيير وللحقوق وللمواطنة الحرة وأن تحقق الفردية الندية؟ لبنان كدولة؛ سوريا كدولة؛ السودان كدولة؛ تركيا كدولة…. كل الدول الشرق أوسطية كدول؛ هل استطاعت أن تحقق الجمال الاجتماعي والحق الاجتماعي كجزء أساسيٍّ من المهمات الواجب أن تحققها لشعوبها؟

وحتى تكون الدولة؛ تلزم السلطة، والسلطة دائما على باطل خاصة إذا ما تم أخذ عامل الزمن بعين الاعتبار؛ زمنية تشكيل الدولة وديمومتها التي حتى تكون؛ لا تكون مفاهيم مثل: الثقافة والمدنية والسياسة والأخلاق والقانون والديمقراطية المباشرة والاقتصاد بالمتناول الحقيقي الملموس ومعمول بكل هذه الأساسيات المجتمعية وفق قوانين ناظمة لروح المجتمع.

وإذا أخذنا الأزمة السورية الحالية وفق هذا الفهم فإن أي مشروع حل سياسي لا يراعي هذه الحالة أو (المظاهر الظرفية التاريخية في سوريا) سيكون بمثابة إعادة انتاج للاستبداد – ربما- في صيغة الوسطية الظاهرة ذات البنية المتآلفة مع الصيغ المستبدة القديمة.

وإذا تم الاعتبار بأن الكرد كقضية على أساس ثالوثها (الأرض والشعب والتاريخ ) بحاجة إلى الحل؛ يفرض على الدوام اشكاليات الحل والأسئلة الناجمة عنها: هل يكمن الحل في تأسيس الدولة الكردية؟

وإذا كان هو الحل؛ ما الغاية من الدولة؟ وإذا كانت غايتها هي مقايسة الذات الكردية المُغيّبة من قبل الاستبداد بكل أنواعها وتحقيق الحق الكردي؛

  • فهل سيكون عبر استقلال الجغرافية فقط أم عن طريق تحقيق الحرية؟
  • بل هل نجحت الدول الناشئة أو التي تم تنشئتها في جلب التحرير لمجتمعاتها؟
  • ألم تتحول دول سايكس بيكو إلى سجون احتجزت فيها شعوبها، وبدا رؤسائها كسجانين؟

ليس من الصواب القول بأن أوجلان يدعو إلى انهاء الدولة؛ ستكون نظرة دوغمائية صرفة، أوجلان يدعو إلى ذلك عن طريق تطور الشعوب كي يصلوا إلى درجة الاستغناء عنها؛ أو حاجة السلطة في الدولة إلى شعوبها وليس العكس كما حالة اليوم؛ ومثل هذه الحالة تلزم زمناً طويلاً متعلق بتحقيق المجتمع الديمقراطي الذي يتألف من عدد هائل من المؤسسات والكومينات والمجالس في القرية وفي الحي وفي المدينة؛ لنرجع إلى البداية التي انطلقنا منها: الشعوب الحية الملتزمة.

أوجلان يفصل بل يحرص أن يفصل بين الحرية كقيمة مجتمعية أفقية وربطها بالدولة كظاهرة فرعية علوية. من يقول عكس ذلك فلينظر إلى حوله وليشير بإصبعه عن وجود أي مجتمع بلا جريمة وفي مساواة وفي ديمقراطية عليا؛ نعتقد –خاصة اليوم- بأن ذلك الإصبع يبقى مرفوعاً وهذه الخربطة العالمية وكأنها مقبلة كي تُلْفَظ اليوم في دوامة العنف ومن العصيِّ أن يسلم منها حتى الحجر.

أوجلان الذي يفرض بحقه عزلة؛ قال في آخر لقاء معه منذ نصف عام تقريباً: احتاج إلى 180 يوماً كي أسس لعملية السلام في تركيا. بينما تصرُّ الأنظمة الاستبدادية: القومية والدينية؛ والقومودينية؛ والقومية البدائية؛ التي يمثلها اليوم كمثال أردوغان الرهيب ولو فيما تُرك الأمر له فإنه يؤسس إلى 180 عاماً أخرى من الإبادة والإنكار بحق جميع شعوب الشرق الأوسط.

  • هل نعي بأن الأوجلانية هي الحل؟

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى