تحليلات

مبادرة الإتحاد الإفريقي لإسكات البنادق 2020 بين الآمال والتحديات

بقلم :  محمد الجزار –  باحث ماجستير في شؤون السياسة الأفريقية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

قام الإتحاد الأفريقي في قمة مايو 2013 بالإحتفال بمرور 50 عاما علي إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية , التي تحولت إلي الإتحاد الأفريقي فيما بعد , وأثناء ذلك الإحتفال قامت القيادة السياسية الأفريقية بمراجعة ما تم إنجازه في الماضي , وبحث ما تحتاجه القارة في المستقبل بما يضمن جعل القارة مزدهرة , وتنعم بالسلام , ويقودها مواطنوها , وتمثل قوة فاعلة علي الساحة الدولية , وإنطلاقا من تلك الرؤية كلفت قمة الإتحاد الأفريقي مفوضية الإتحاد الأفريقي بإعداد أجندة قارية مدتها خمسون عاما , تضمن النهوض بأفريقيا في شتي المجالات , وبالفعل تم أعداد أجندة 2063 , من خلال عملية تشاور واسعة النطاق , وقد تم إعتماد الوثيقة الإطارية لأجندة 2063 في يناير 2015 أثناء انعقاد القمة 24 للإتحاد الأفريقي في أديس أبابا , وقد تم تقسيم الأجندة إلي خمس خطط عشرية, بحيث تكون لكل خطة عشر سنوات من حيث تنفيذها , كما تم وضع خطة التنفيذ للسنوات العشر الأولي  لتكون خلال الفترة من 2013 إلي 2023 . وقد تضمنت الأجندة سبعة طموحات , تحت كل طموح مجموعة من الأهداف , وقد جاء الطموح الرابع متطلعا إلي أفريقيا سالمة وآمنة من خلال توظيف آليات تحقيق السلم وحل الصراعات علي كل المستويات , ولتحقيق هذا الطموح تم طرح مبادرة إسكات البنادق بحلول 2020 لتسوية كل النزاعات وإسكات صوت المدافع والبنادق في القارة السمراء , ومن خلال هذه المقالة سوف نلقي الضوء علي تلك المبادرة من خلال المحاور التالية :

أولا : التعريف بمبادرة إسكات البنادق :

إن مبادرة إسكات أصوات المدافع أو البنادق بحلول 2020 , هي إحدي أهداف الخطة العشرية الأولي لأجندة 2063 , والتي وردت في الطموح الرابع من طموحات الأجندة السبعة والذي يطمح في جعل أفريقيا سالمة آمنة وذلك عن طريق إنهاء جميع الحروب والنزاعات الأهلية والقضاء علي ممارسات العنف القائم بسبب العرق أو الجنس أو اللون , ومنع جرائم الإبادة الجماعية بأفريقيا , وذلك من خلال تعزيز الحكم الرشيد والمسائلة والشفافية , وكذلك تعزيز آليات ضمان السلم والمصالحة علي جميع المستويات , فضلا عن التصدي للتهديدات الناشئة والمحدقة بالسلم والأمن الأفريقي , ووضع الإستراتيجيات اللازمة لتمكين القارة من تمويل شئونها الأمنية . كما تم وضع مبادرة إسكات البنادق في مبادرات المسار السريع والمجالات ذات الأولوية في الخطة العشرية الأولي والتي من بينها إقامة شبكة قطارات فائقة السرعة , وإنشاء جامعة أفريقية إفتراضية , وتأسيس منطقة التجارة الحرة القارية بحلول 2017 , وإنشاء جواز السفر الأفريقي وحرية تنقل الأشخاص بحلول 2018 , وإسكات أصوات البنادق بحلول 2020 .    وفي قمة الإتحاد الأفريقي الثامنة والعشرين المنعقدة في أديس أبابا نهاية يناير 2017 تم اعتماد خارطة الطريق الرئيسية للإتحاد الأفريقي حول الخطوات العملية لتنفيذ المبادرة , حيث تعهد الحضور بعدم توريث الجيل القادم من الأفارقة عبء الحروب , والعمل علي ضمان تنفيذ المبادرة بحلول 2020 . (1)

ثانيا : أهداف وآمال مبادرة إسكات البنادق : 

تسعي مبادرة إسكات البنادق إلي تحقيق مجموعة من الأهداف والآمال تتمثل فيما يلي :

  • 1-حفظ السلم والأمن والإستقرار في ربوع القارة الأفريقية وذلك لسرعة تحقيق التنمية المستدامة .
  • 2- إتمام الهيكل المؤسسي لأدوات السلم والأمن في الإتحاد الأفريقي , وبناء ما يلزم من هياكل جديدة بهدف القدرة علي التسوية السلمية للنزاعات الأفريقية بصورة عاجلة وفعالة . (2)
  • 3- وقف جميع النزاعات داخل الدول الأفريقية أو بين بعضها البعض وإحلال السلام الشامل .
  • 4- معالجة الأسباب الجذرية للصراعات بالقارة ومنع العودة إلي استخدام العنف في تسويتها .
  • 5- منع التجارة غير المشروعة للأسلحة ومنع انتشارها واستخدامها في مختلف أنحاء القارة .
  • 6- تسوية جميع النزاعات الأفريقية علي المستوي الوطني والإقليمي والقاري بحلول 2020 . (3)

ثالثا : آليات تنفيذ مبادرة إسكات البنادق :

لقد قام مجلس السلم والأمن الأفريقي بوضع خارطة طريق لتنفيذ مبادرة إسكات البنادق وقد جعل آليات تنفيذ تلك المبادرة علي مستويين كما يلي :

المستوي الأول :  وهو مرتبط بتنفيذ المبادئ العامة للمبادرة من خلال العمل علي تصفية الصراعات بين الدول الأفريقية , أو داخل الدول الأفريقية . وأهم هذه الأليات المتعلقة بالمستوي الأول ما يلي :

1-تدشين مركز الإتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ليكون أداة فعالة في مساعدة الدول التي خرجت مؤخرا من النزاعات المسلحة , علي وضع تصورات وطنية لمسار إعادة الإعمار .

2-إنشاء فرقة العمل المشتركة المعنية بتشكيل إدارة الإنقاذ التابعة للجنة السلم والأمن الأفريقي مع العمل علي التنسيق الفعال مع لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة . (4)

3- إنشاء مرفق مخصص داخل صندوق بناء السلام من أجل مراقبة منع انتشار الأسلحة الصغيرة , ووضع التدابير اللازمة  لمنع الإتجار غير المشروع بها .

4- إعلان شهر سبتمبر من كل عام حتي عام 2020 بأنه شهر العفو الأفريقي بحيث يتم فيه استسلام المتحاربين , وتسليم الأسلحة التي تم شرائها بطريقة غير مشروعة بما يخدم أهداف المبادرة . (5)

5- تعيين عدد من الشخصيات المهمة لمتابعة تنفيذ المبادرة وتقديم تقارير حول سبل تنفيذها , حيث أنه في أكتوبر 2017 تم تعيين وزير الخارجية الجزائري السابق رمضان العمامرة ممثلا ساميا للإتحاد الأفريقي لإسكات البنادق , وذلك من أجل التعاون مع جميع الأطراف المعنية علي إنهاء العنف وتسوية الصراعات في القارة . (6)

المستوي الثاني :  يهدف المستوي الثاني من آليات تنفيذ المبادرة إلي العمل علي ما يلي :

1-الحد من إنتشار وتدفق الأسلحة الصغيرة والخفيفة في القارة , حيث تم اعتماد خطة وبرنامج تنفيذي تعرف “”بخطة إسكات البنادق للسيطرة علي بيع الأسلحة غير المشروعة “” . (7)

2- وضع ميثاق واحد يجمع الجهود السابقة للتكتلات الإقليمية في مجال الحد من تجارة الأسلحة غير المشروعة , ومنع تدفقها داخل أقاليم القارة , وذلك لضمان تنفيذ المبادرة . (8)

3- إنشاء مؤشر أفريقي للأمن البشري لرصد التقدم المحرز في تنفيذ المبادرة .

رابعا : تحديات تنفيذ مبادرة إسكات البنادق :

رغم الجهود المبذولة من قبل الإتحاد الأفريقي والشركاء القائمين علي تنفيذ المبادرة , وما حققته من نجاحات أبرزها , تحسين العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا , دعم الإنتقال السلمي في الكونغو ومالي ومدغشقر , ودعم اتفاق المصالحة في أفريقيا الوسطي وموزمبيق . (9) لكن يوجد مجموعة من التحديات التي تواجه تنفيذ مبادرة إسكات البنادق بحلول 2020 تتمثل فيما يلي :

1-قصر الفترة الزمنية الموضوعة لتنفيذ المبادرة , حيث أنها غير كافية للعمل علي تنفيذ المبادرة بشكل كامل في شتي أقاليم القارة الأفريقية , مع تعثر تسوية النزاعات القائمة , بل واندلاع صراعات جديدة , وهو ما يجعل تنفيذ المبادرة في الوقت المحدد أمر غير واقعي . (10)

2- غياب الإرادة السياسية لدي كثير من قادة الدول الأفريقية في تسوية النزاعات , خاصة النزاعات الناجمة عن غياب التداول السلمي للسلطة , أو عدم عدالة توزيع الموارد الإقتصادية بين الجماعات الإثنية المكونة للدولة , أو سوء إدارة التنوع الإثني وتهميش بعض الجماعات , وبالتالي عدم وجود إرادة لحل أسباب تلك النزاعات وهو ما يمثل عائق أمام تنفيذ المبادرة . (11)

3- انتشار الجريمة المنظمة , وتجارة المخدرات , وعمليات غسيل الأموال , وتجارة الأسلحة غير المشروعة , ووجود عصابات ومليشيات تحمي تلك الأعمال الإجرامية , واتصالها بأطراف خارج القارة تعمل علي استمرار الصراعات الأفريقية لاستمرار أعمالها الإجرامية , وهو ما يعيق تنفيذ المبادرة في موعدها . (12)

4- تعقد خريطة الصراعات الأفريقية , وانتشارها في أقاليم القارة الخمسة , مثل الصراع في ليبيا , وجنوب السودان , وأفريقيا الوسطي , والصومال , وموزمبيق , ومالي , وغيرها من الدول سواء كان الصراع علي أساس إثني أو ديني أو أيديولوجي , واستمرار هذه الصراعات يعد عائقا في سبيل تنفيذ المبادرة بحلول 2020 . (13)

5- انتشار الجماعات الإرهابية المسلحة في ربوع القارة مثل جماعة بوكو حرام , وحركة شباب المجاهدين , وتنظيم جيش الرب المسيحي , وغيرها من الجماعات الإرهابية التي لديها أجندات متطرفة وتعمل علي إنشاء مناطق خاصة بها خارج سيطرة الدولة , ولديها مليشيات وأسلحة متقدمة , وهو ما يعد تحدي كبير لنزع سلاح تلك الجماعات والقضاء عليها تنفيذا لرؤية المبادرة. (14)

6- ضعف التمويل اللازم لتنفيذ المبادرة بشكل كامل , حيث تحتاج عمليات حفظ السلام في بعض الصراعات الأفريقية تمويل ضخم لتنفيذها , وكذلك عمليات تعويض أسر الضحايا عقب تسوية النزاعات , بل وكذلك تمويل عمليات إعادة الإعمار عقب إنتهاء النزاعات , ولضمان عدم تجدد الصراعات مرة أخري يجب توافر تمويل مناسب لتنفيذ الأمور السابقة , وهو ما يعد تحدي كبير أمام تنفيذ المبادرة بحلول 2020 . (15)

خامسا : الرؤية المستقبلية لمبادرة إسكات البنادق :

رغم وجود اهتمام دولي وإقليمي بمبادرة إسكات البنادق , والإعلان عن دعم المبادرة من عدة أطراف دولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن , والصين , وغيرهم من الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي إلا أننا نجد الواقع الأفريقي لا يتلائم مع تنفيذ المبادرة بحلول 2020 وذلك لاتساع خريطة الصراعات الأفريقية وقصر الفترة الزمنية كما أسلفنا في التحديات , ولذلك من غير المتوقع تنفيذ المبادرة في موعدها المحدد 2020 , ولذلك يمكن التنبؤ أنه سوف يتم وضع خطة تنفيذ جديدة للمبادرة بحيث يتم العمل علي تنفيذها بحلول 2025 . وفي الأخير يمكن القول أن مبادرة إسكات البنادق , مبادرة إيجابية , يمكنها أن تحد من الصراعات الأفريقية بصفة مؤقتة , ولكن لا يمكنها أن تقضي عليها بصورة نهائية علي المدي القريب .

الإحالات والهوامش : –

(1)-   أجندة 2063 أفريقيا التي نريدها الوثيقة الإطارية ( صادرة عن الإتحاد الإفريقي , سبتمبر 2015 , ص 39 , 40 )

(2) – خطة التنفيذ العشرية الأولي لأجندة 2063 أفريقيا التي نريدها (صادرة عن الإتحاد الأفريقي , سبتمبر 2015 , ص 43 ) .

(3) – نفس المرجع السابق , ص 81 , 82 , 114 .

(4) – دلال محمود :  إسكات البنادق نحو أفريقيا خالية من الصراعات ,  أفريقيا 2019 توازنات صعبة ومستقبل طامح ( المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية , إصدار خاص مارس 2019 ,  ص 16 ) .

(5) – مقررات مؤتمر الإتحاد الأفريقي ( الدورة 39 يوليو 2017 , ص 23 , 24 ) .

(6) – مذكرة تمهيدية لتقرير رئيس المفوضية عن أنشطة مفوضية الإتحاد الأفريقي وأجهزته ( وثيقة مقررات المجلس التنفيذي للإتحاد الإفريقي , الدورة العادية 32 , يناير 2018 , ص21 ).

(7) –  دلال محمود :  إسكات البنادق نحو أفريقيا خالية من الصراعات ( مرجع سبق ذكره , ص 16 ) .

(8) –  نفس المرجع السابق , ص 17 .

(9) – تقرير مجلس السلم والأمن الأفريقي عن أنشطته ووضع السلم والأمن في أفريقيا ( مؤتمر الإتحاد الأفريقي , الدورة 31 , يوليو 2018 , ص 4 , 7 , 10 ) .

(10) – د . عبده باه : البنية الهيكلية لأجندة الإتحاد الأفريقي 2063 ( ورقة بحثية  , بدون بيانات نشر , ص 9 ) .

(11) –  نفس المرجع السابق , ص 8 .

(12) – د . شيماء عبدالفتاح : أجندة 2063 الإطار الإستراتيجي المشترك المبادئ الأهداف الإستراتيجيات ( ورقة بحثية , بدون بيانات نشر , ص 7 ) .

(13) – نفس المرجع السابق , ص 7 , 8 .

(14) – د . أميرة محمد عبدالحليم : أجندة الإتحاد الأفريقي 2063 ومكافحة الإرهاب ( ورقة بحثية , بدون بيانات نشر , ص 2 , 3 , 5 )

(15) – د. عبده باه , مرجع سبق ذكره , ص 10 , وكذلك خطة التنفيذ العشرية الأولي لأجندة 2063 , مرجع سبق ذكره , ص 113 , 115 .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق