fbpx
تقدير الموقف

الجغرافية الاجتماعية : حلول مفترضة ما بعد تظاهرات التحرير ” دراسة حالة عن الهوية الوطنية العراقية “

اعداد : مازن صاحب –  صحفي وباث سياسي عراقي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تتألق الفرقة السمفونية بانسجام الأنغام وأي نغمة نشاز تظهر تأثيرا كبيرا على جميع العازفين، كذلك الجغرافية الاجتماعية، سمفونية متكاملة قائمة على مشاركة نغمة ” المنفعة الشخصية ” لكل عازف لتوليف روعة السمفونية في “المنفعة العامة ” لكل العمل الموسيقي وتذوق المستمعين له، مثل هذا التناغم يمكن اعتماده في فلسفة التحليل الكمي لتطور الجغرافية الاجتماعية في بناء دولة عراقية معاصرة من خلال حلول مفترضة ما بعد تظاهرات ساحات التحرير فقط  حين يتم الاتفاق على ان المنفعة الشخصية  لتضاريس الجغرافية الاجتماعية لابد وان تتفق  في النتيجة مع المنفعة العامة وفق العقد الاجتماعي الدستوري  للنظام الديمقراطي الحكام في عراق اليوم  .

لست بصدد الاستعراض التاريخي لما حصل قديما وحديثا بل اعتماد منهجية تحليل السياسات العامة لما هو كائن او سيكون من خلال تحدد  نوع المشكلة ومنهجية تحليل الحلول المفترضة  واليات التنفيذ التي تعتمد وهو نموذج تدريبي بعنوان ” دراسة الحالة” ويقصد بها عدم التعميم والبحث عن حلول لمشكلة محدد، نفذ برنامجه من قبل  معهد اعداد القادة في جامعة ستانفورد بإشراف البروفيسور فرانسيس فوكوياما، وهناك موقع متخصص بعنوان قادة المستقبل يتعامل مع المتخرجين من هذا البرنامج في عدد من الدول التي توصف بالبلدان الخارجة من الأنظمة الشمولية الى تطبيقات النظام الديمقراطي[1] .

مثل هذه المنهجية تحاكي نموذج متجدد في البحوث الذكية القائم على التحليل الكلي لنتائج كمية وليس وصفية لعل ابرزها نتائج استطلاعات الراي العام وما يمكن استنتاجه منها في تحليل فرضية البحث القائمة على التحليل وليس الوصف فقط.

 فرضيات واقعية:

السؤال الأساسي للفرضية التي تطرحها هذه الورقة: هل مطلوب التعامل مع مكونات طائفية وقومية، كبيرة كانت او صغيرة او المفترض التعامل مع بناء العراق كدولة مواطنة؟؟

وجهة نظري المتواضعة أن هذه البقعة من الأرض احتلت بعد سقوط الدولة البابلية الثالثة ولم تؤسس فيها دولة رافدينية الا ما بعد تأسيس العراق الحديث وكان المفترض أن يتكون هذا البلد من ولايتي بغداد والبصرة. والموصل بعنوان متجدد لبناء دولة مدنية عصرية توظف التراث القديم في مقارنة واقعية ما بين المنفعة الشخصية والمنفعة الكلية للمجتمع، تقدم هوية المواطنة في العقد الاجتماعي الدستوري والذي كان متوفرا أصلا كنموذج من العرف الاجتماعي الوعي الجمعي للجمهور، فيما عمل الانكليز والفرنسيين على وضع الألغام المنفعية والنفسية فقط لان نموذج الدولة الحديثة تتطلب شعبا متجانسا بثقافة واحدة وحدود مفتوحة فانتهى حال العراق الحديث وبقى كما وصفه ملكه الأول مجرد فسيفساء مطلوب منه أن يكون منهم دولة مدنية عصرية.

ولست بصدد استعراض ما حدث خلال القرن الماضي من احداث معروفة انتهت إلى تصالح احزاب المعارضة مع القوات الأمريكية لاحتلال وطنهم … ثم انتهوا إلى نموذج متجدد لمفاسد المحاصصة وحكومتها العميقة وسلاحها المنفلت والاجندات الاقليمية والدولية التي تتلاعب بهم .

السؤال كيف سيكون مستقبل الجغرافية الاجتماعية لبناء دولة مدنية عصرية كخطوة مهمة جدا لإعادة النموذج الحضاري المنشود؟؟

اعتقد ان الانسان في أبسط حقوقهم الحفاظ على منافعه الشخصية ثم اسرته ثم جماعته وتحالفاته مع الغير للحفاظ على هذه المنافع، لذلك يكثر الحديث عن نموذج الحكم الاولغيشاري (المستبد العادل) وان ما يوصف اليوم بدكتاتورية النظام السابق اذا لم يتورط بحروب استنزفت موارد البلد البشرية والمالية وعدم ادراك متغيرات قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل فانتهى الى تلك الحفرة لتنهي حقبة حكم كانت في بداياتها توصف بالزمن الجميل لعراق يخرج من العالم الثالث الى عالم جديد.

ما يشير اليه الشكل البياني أعلاه [2] يوضح تأكل الثقة عند العراقيين على المستوين الفردي والسياسي، فعلى المستوى السياسي باتت نتائج اعتماد النظام الديمقراطي للفرد في المجتمع العراقي تمنع تطور الديمقراطية  كنظام يطور ويحل مشاكل المنفعة الشخصية للفرد مما أدى الى إشاعة التعامل على أساس اللعبة الصفرية التي تمثل الفارق الواسع  في الدخل الشخصي ونسبة الفقر والبطالة والجهل بسبب ان هذا النظام قد ساعد على الفساد لأسباب  متعددة تحددها في قلة التعليم  وانخفاض مستوى الدخل  وتجربة العنف ما بين مرحلتين الأولى تتجسد في أفعال  تنظيم القاعدة  الإجرامية  ومن ثم  تنظيم  داعش مما أدى ويؤدي الى فقدان الثقة بالمستقبل .

اما على المستوى السياسي، فان ثقة العراقيين بالنظام السياسي ما بعد 2003 انتهت الى فقدان الثقة بالعملية السياسية نتيجة عدم الاستقرار السياسي فانتهى الى زيادة احتمال ظهور التنظيمات المتطرفة وتحدد المسببات الرئيسة لما انتهى اليه هذا الوضع بانخفاض الثقة بين الافراد ونتائج الحرمان النسبي وهي الفجوة بين ما كان يتوقعه الافراد ما بعد التغيير في 2003 وبين المستويات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عام 2020.

 تحديد المشكلة:

وفقا لمحاكاة النموذج التحليلي لدراسة حالة ” الهوية العراقية ” حاول الكثير من الباحثين العراقيين تحديد أسباب معضلة عدم استكمال مقومات الدولة بوجود هيكل ديمقراطي للنظام الحكم الذي يواجه تحديات أساسية تتمثل في:

  • الموقع الجغرافي:

ما زال  الشرق الأوسط يمثل اليابسة التي تلتقى عندها قارات العالم القديم وأن المنطقة الشرق أوسطية تفردت بمجموعة من المضايق البحرية والممرات المائية والبحار ذات الطبيعية الاستراتيجية ، وتبقى نظرية  قلب العالم  تنظر الى العراق بكونه مفتاح الوصول الى  هذا القلب ، وما زال الوطن العربي  الثاني على العالم في النمو السكاني  مقابل النصف الجنوبي  من القارة الافريقية ،ويبقى النفط العربي حتى عام 2020  يمثل  ثلث الصادرات الدولية للطاقة لكن  تحليلا  لمركز راند للدراسات الاستراتيجية يرى بان  الدول الغنية بإنتاج النفط في الخليج العربي ستبقى تعتمد على النفط في  تنوع مصادر الدخل الفردي التي  تتطلب  مفاتيحا جديدة  للإنتاج الفردي  في زيادة الدخل وتحتاج هذه البلدان الى تقييد التشوهات في الأسعار ومعدلات الدعم السعري للبضائع ، وتدعو الى خصخصة الأصول غير النفطية  في القطاع الإنتاجي وتعتبر تجارب دولا  نفطية مثل الجزائر واعدة في هذا المجال ،مؤكدة على الفشل السياسي في التعاطي  مع الوظائف الحكومية كما حصل في ليبيا على سبيل المثال.[3]

  • سياسات عامة

كل  ما تقدم  ينعكس  بشكل  حتمي على السياسات العامة للدول  ومنها العراق ، فتظهر تحديات  معدل النمو السكاني  مقابل  البنى التحتية  والخدمات العامة وقابلية التكيف مع الفكر المتطرف والإرهاب ومراحل  إعادة البناء  ما بعد الخروج  من هذه المواجهة كما حصل  في المواجهة مع “داعش” والتي  تجبر الحكومة على بلورة سياسات عامة تنطلق من فرضيات التعايش السلمي  وإعادة بناء  المدن  التي  واجهت عصف المعارك  مع” داعش” وتحولت الى خرائب من دون ان تتمكن الحكومة الإفلات من توصيات البنك الدولي  في  تقليص الدعم الحكومي  لاسيما الوظائف للقطاع العام .

كل ذلك يجبر الحكومات على الاخذ يعين الاعتبار مدخلات تقليص الفجوة بين الحرية الاقتصادية للسوق الاجتماعي المفتوح وبين السياسات التي اوجدتها القوانين النافذة بالضد من ذلك وهذا يتطلب إعادة النظر في الضرائب والنفقات الحكومية بشكل عام تطبيقات جديدة حول الملكيات للشركات الاستثمارية المحلية او الأجنبية، وتحديد قياس القوة الشرائية الحقيقية للدينار العراقي كنموذج لتحديد الأجور وكل ذلك يؤثر على موثوقية الدول للاستثمار في العراق، كونه بيئة غير مستقرة ويوصف بكونه احدى الدول الفاشلة وفقا للجدول  التالي :[4]

لكن السؤال: هل انتهى العراق الى هذه الحال بسبب تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية فحسب ام ان أبواب النفوذ الأجنبي قد فتحت بسبب ما يوصف بأخطاء التأسيس الدستورية لعراق ما بعد 2003؟؟

الإجابة تتطلب الاعتراف الشامل بان هذا الهيكل للدولة العراقية قد اهدر ما قيمته 223 مليار دولار ما بين الاعوام 2004 ولغاية  2013 حسب تصريحات الدكتور مظهر محمد صالح ، المستشار المالي لرئيس الوزراء  وقال في حديث مباشر للباحث ان من هذه الأموال 96 مليار دولار قدمت كمنح أجنبية منها  حوالي 43 مليار  دولار  من الولايات المتحدة الامريكية والباقي من الاتحاد الأوربي وغيرها  من الدول مثل اليابان  وكوريا الجنوبية  إضافة الى دول عربية ، اما الباقي فيمثل الموازنات  الاستثمارية لتلك الأعوام ، وخلال عام 2014 وجهت وزارة التخطيط تعميما لجميع الوزارات العراقية  عما نفذ  من تلك المشاريع فكانت إجابة اغلبية الوزارات بانها صفر .

  • الثقة بالحكومة:

أدى كل ذلك الى تباين الموقف من الثقة بالحكومة ففي عام 2012 كان الشيعة يثقون بهذه الحكومة بنسبة 59% وانخفض عام 2016 الى 20% ليتصاعد في تشرين الأول 2018 الى 40 % ، مثل هذه النتائج المتراكمة في  استطلاع الراي العام  التي قامت بها  الشركة المستقلة للبحوث ، تؤكد ارتباط ذلك بما مر به العراق من احداث  تمثلت في جرائم تنظيم القاعدة ومن ثم  الإرهاب الداعشي، ويلاحظ في الشكل البياني ذاته  قيم ثقة كل من السنة والكرد  المتفاوتة حسب الأعوام  وأيضا  حسب الاحداث فبعد ان  كانت ثقة الكرد عالية نسبيا عام 2012 (48%)  نجدها انخفضت الى( 17% ) في تشرين الأول 2018  ومعدل  الانخفاض في الشكل البياني  واضح  منذ عام 2016 لأسباب  تتعلق بمواقف الحكومة الاتحادية من  سياسات الإقليم ومنها الاستفتاء على استقلاله  ، لكن المفارقة تتضح في موقف العرب السنة من هذه الثقة التي كانت 35% عام 2012  لتصعد الى اعلى  مقدار لها في اذار 2018 (56%)  ثم لتنخفض الى 50%  في تشرين الثاني 2018 .

حصيلة هذه الأرقام، دلالة على ان العقد الاجتماعي الحاكم للعلاقة ما بين المنفعة الشخصية والمنفعة العامة ينخفض ويرتفع في الوعي الجمعي عند العراقيين وفق الاحداث التي ترافق عملية الاستطلاعات وابرزها مواقف الأحزاب المتصدية للسلطة.

  • مفهوم الهوية :

يعرف فرانسيس فوكو ياما في كتابه ( بناء الدولة)  قوة أي دولة تتمثل في المؤسسات القائمة وبناء  مؤسسات جديدة فعالة وقادرة على البقاء  والاكتفاء الذاتي وهذا المعنى نقيض تقليص حجم الدولة  كون المهمة التي تتمثل بها هذه المؤسسات وافق مجالات عملها في  مأسسة الدولة من خلال توفير الامن والنظام العام  والخدمات  والدفاع عن الدولة  ضد الغزو الخارجي مرورا بتوفير التعليم وحماية البيئة وانتهاء بوضع السياسات  الاقتصادية  والاجتماعية  وإعادة توزيع الثروة .[5]

ينهض عددٌ من النظريات السياسية والاقتصادية على السلوك والطبيعة البشرية؛ فتجادل النظريات الاقتصادية بسعي الأفراد إلى تعظيم مكاسبهم ومنافعهم وفقًا لمصالحهم الذاتية المادية، باعتبار أن الفرد العقلاني هو وحدة التحليل الرئيسية. غير أن تلك النظريات لا يمكنها تفسير التفضيلات غير المادية، أو الإجابة عن تساؤلاتٍ من قبيل: لماذا يسعى بعض الأفراد لجمع المال بينما يسعى آخرون للتبرع به لمساعدة الآخرين؟ ولماذا يضحي الجنود بأرواحهم في المعارك؟ ولماذا يُقدِمُ بعض الإرهابيين على تفجير أنفسهم؟.

ان الدولة العراقية لم تنهض حتى بالوظائف الدنيا التي  تتمثل في  توفير المنافع العامة والدفاع عن البلد ونفاذ القانون واغاثة الكوارث وحماية الفقراء،مقارنة بالوظائف المتوسطة المتمثلة في التربية والتعليم ومعالجة المظاهر الخارجية لتوفير الضمان الاجتماعي وتعويض البطالة اما الوظائف النشطة للدولة فتتمثل من وجهة نظر فوكوياما في المبادرات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة توزيع الأصول الاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية .

اليوم ليس بالإمكان مراجعة حدود العراق الدولية ولكن يمكن مراجعة الجغرافية الاجتماعية لبناء دولة مدنية عصرية، وهذا يتطلب الغاء نموذج التحالف مع قوى الاحتلال الجديد اقليمية ودولية من خلال تعظيم المنفعة   للموارد البشرية العراقية.. وبالتالي الغاء نموذج مفاسد المحاصصة وحكومتها العميقة وسلاحها المنفلت والاجندات الاقليمية والدولية.

ما دام قبول أي دولة ضمن ميثاق الأمم المتحدة محكوما بالسيادة الوطنية فالالتزام بمضمون هذه السيادة في الهوية الذاتية للمواطن محكومة كذلك بهذا المفهوم وهنا تختلف الاهواء والميول والاتجاهات فالدولة العراقية محكومة بأكثر من نطاق يحدد هذا المفهوم لعل أبرزها:

أولا : النطاق الديني  بنموذج الإسلام  السياسي الطائفي الذي نقل  صراعه  مع الاخر الى إدارة الدولة  كما نقل التحالف مع الاخر خارج حدود سيادة الدولة  ويجيب الشكل البياني في ادناه عند سؤل العراقيين عن هويتهم تكون الإجابة  بانه عراقي فوق كل شيء  متفاوتة  في التراكم البياني لنتائج الاستطلاع  فتظهر التفاوت الزمني  وفق احداث وليس وفق  شعور عام فان العراقيين يعتقدون بان هويتهم عراقية فوق أي  شيء  اخر ما بين عام 2003 حيث كانت النسبة  فقط23% لتكون  ما بعد  الانتهاء من الاضطرابات الاجتماعية نتيجة تفجير  المرقدين العسكرين في سامراء  بنسبة 63% عام 2007 لتهبط من جديد  قبل أسبوع من ظهور  تنظيم داعش عام 2014 ثم للتصاعد  عندما قاتل العراقيون  معا ضد هذا التنظيم عام 2016 لتصل الى 59%  ولكنها  مع أخطاء  عدم ظهور  التعايش السلمي المفترض  في استثمار النصر على داعش الى  49%

الثاني : نموذج التعامل  مع الرأي العام  من زوايا  حادة لأجندات الأحزاب ، إسلامية  كانت ان  تدعي العلمانية ،وأصبحت الوظيفة العامة ومفاسد المحاصصة  المقياس لثمن الولاء الحزبي مقابل الولاء للهوية الوطنية، ويوضح الشكل البياني التالي ان كل من الشيعة والسنة يتفقون في نسبة الإجابة على  كوهم عراقيين قبل كل  شيء  ايضا حسب الاحداث التي مرت بالبلد  صعودا  او انخفاضا  وهذا يؤكد الفرضية التي وضعها لهذه الورقة بان الهوية الوطنية راسخة عند العراقيين بنهم عراقيين قبل أي شيء اخر ولكن متغيرات العي الجمعي للراي العام  تخضع  لمتغيرات الواقع المفروض عليهم بأفعال الاجندات الحزبية  وما انتهت من احداث طائفية  لاسباب إقليمية ودولي

الثالث :ترجمة ذلك من خلال وسائل اعلام الأحزاب جعل الناخب العراقي امام امتحان مهم ، اما الانصياع  لماكنة الاجندات الحزبية  الإعلامية او الغاء  الهوية الوطنية من خلال الابتعاد عن صناديق الاقتراع وهذا  ما حصل في  الانتخابات الأخيرة  .

ويوضح الشكل البياني ادناه احد ابرز أوجه الاختلافات حول مفهوم الحكم الفيدرالي في عراق ما بد 2003 بنسبة عدم موافقة عالية تبدو متقاربة في جميع انحاء العراق عدا إقليم كردستان لأسباب  معروفة .

النموذج المفترض للهوية الوطنية:

كما قلت في مدخل هذه الورقة، ان الجغرافية الاجتماعية مثل الفرقة السمفونية، أي عزف نشاز فيها يؤثر على جميع العازفين، لذلك يبدو ان التصحيح المفترض لترسيخ الهوية الوطنية العراقية يتطلب الاتي :

أولا : اعلان  دستوري  يصحح  أخطاء التأسيس ما بعد 2003  بإعادة النظر بقانوني الأحزاب والانتخابات ، بان يؤسس نموذجين من الأحزاب ، الحزب الوطني الذي  لابد وان يشارك في تأسيسه  اكثر  من 12  محافظة عراقية ، ما قبل الحزب  المحلي الذي يحق له  المشاركة في الانتخابات المحلية ، على ان يكون الترشيح لانتخابات وفق قاعدة التمثيل  الشخصي المباشر وفق استحقاق محدد لا يقل  عن 10%  من مجموع  عدد  الأصوات الوطنية

ثانيا : هناك اكثر  من 24 استراتيجية وطنية  تحتاج الى سياسات عامة حاكمة لتطبيقها  ولم تنجز حتى الان  كون كل عازف يريد ان يعرف نغمته بعيدا  او تعارضا  مع الاخر  كردود أفعال على اخرين من أبناء  جلدته، فانتهى النظام السياسي الى  حالة احتقان   جعلت الجمهور يخرج غاضبا في تظاهرات ساحات التحرير ذلك السؤال الذي يطرح اليوم علنا بانتصار مفاسد المحاصصة على صوت  الشعب ، ومواصلة  توزيع كعكة السلطة على حساب شعب كل واحد من خمسة  منه يعيش على حافة الفقر حسب الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط ،هذا الشعب يواجه اليوم آثام  اقتصادية  كبرى منها  ما ينذر بخطوب كبرى مثل  نزول أسعار النفط الى  دون الثلاثين دولار ا للبرميل الواحد  وتلك المقارنات الرقمية بين رواتب فلكية للدرجات الخاصة  ورواتب المتقاعدين  ناهيك عن من يعيشون تحت خط الفقر( اقل من دولار  باليوم)  فيما من انتخبهم حوالي 20% من العراقيين في انتخابات 2018 ،مازالوا عند مواقفهم في مزايدات بح صوت المرجعية منها ، ولم تتفق ساحات التظاهر على حلول مطلوبة ، ولم  يظهر أي  تنازل حقيقي  لهذه المطالب التي رفع سقفها مرات وانخفض مرات أخرى

ثالثا : اعتقد الإجابة تبدأ بسيناريوهات سياسية بحتة ، الأول هو المعادلة الصفرية بالتغيير الشامل، مطلب مرفوض وهناك من يدافع عنه مرة بالتهديد بالانفصال كما يفعل الاكراد في بيانهم المنتصر على اعتذار رئيس الوزراء المكلف الدكتور  محمد توفيق علاوي، ومرة أخرى بقوة التهديد بالتقسيم الى فيدراليات كما يفعل البعض من الداعين لأقاليم عراقية وفق المذهب الطائفي او وفق المنطقة  كما يفعل  في غرب العراق وجنوبه وثالثة بالسلاح المنفلت لدفاع عن حكم  من يدعي انه يمثل الأغلبية الشيعية فيما  هذه الأغلبية السكانية تقع أيضا وفق حسابات الفقر في قعر قائمة المحافظات العراقية فالمثنى على سبيل المثال هي  الأكثر فقرا بعدها الديوانية ، لذلك المعادلة  الصفرية غير فعالة  في هذا  الاستبداد الديمقراطي  بعنوان الحكم البرلماني  !!

السيناريوهات الأخرى تتمثل في الاحتمالات التالية:

الأول :  تحشيد القوى البرلمانية الشيعية من جديد لتشكيل اغلبية برلمانية تقود الراغبين من السنة والكرد في اتفاقات المحاصصة  لديمومة ذات النظام  القديم من دون أي تغيير في المشهد السياسي الا في تحليلات وعاظ السلاطين التي  ستجد الف سبب وسبب  للحديث عن أهمية المحاصصة للحافظ على  وحدة العراق !!

وهذا يعني إمكانية الصمت الإعلامي والعملي عن قرار مجلس النواب الذي وصفه تسريب صوتي لرئيس البرلمان بانه قرار شيعي لإخراج القوات الامريكية من العراق، كما يعني ضرورة وجود اتفاق ما بين واشنطن وطهران على النموذج الجديد للحكومة المقبلة وحقيقة دورها في الانتخابات المبكرة وسبل مواجهة الازمة الاقتصادية الكبرى التي تنتظر البلد.

ومثل هذا السيناريو تأتي مدخلاته من واشنطن وطهران وليس من داخل مجلس النواب، وفي المشهد الحالي لا اعتقد إمكانية حصول مثل هذه المدخلات الا بتنازل من كلا الطرفين وزيارة رئيس مجلي الامن القومي الإيراني الادميرال علي شمخاني الأخيرة لبغداد دلالة على ذلك.

 ثانيا : تعديل المشهد بتشكيل (حكومة غير جدلية) من شخصيات سياسية يمكن وصفها بالأقل سوءا من بين صفوف  مفاسد المحاصصة ، بقاعدة  ما لا يدرك كله لا يترك جله ، وهذا يحتاج أيضا الى تنازل جميع الأطراف  البرلمانية  وليس  تصعيد سقوف مطالبها  لتترك للمرشح الجديد  لرئاسة حكومة انتقالية  فرضية اقناع  ساحات التحرير بان حكومته تلبي الحد الأدنى المتوقع من مطالبهم  ، وأيضا مثل هذا السيناريو يبقى مقبولا عند البعض ولكته يحتاج الى ضغط شعبي  أوسع  مما حصل حتى اليوم  لإجبار مجلس النواب على تخفيض سقوف مطالبهم  بديمومة امتيازاتهم والدخول  جبرا الى قبة البرلمان للتصويت على برنامج  إصلاحي حقيقي وليس مجرد  كلام هواء في ، ومثل هذه الالتزامات  ستظهر لاحقا  ما بعد الانتخابات المقبلة .

ثالثا  : في حالة الفشل في مما تقدم ، يمكن ان يصار الى تشكيل  حكومة  طوارئ  سياسية مختصرة بإشراف اممي  وفق قرار يمكن ان يصدر  من مجلس الامن الدولي  وهذا الخيار يدعو اليه البعض للتخلص من سطوة  أحزاب المحاصصة ، ولكنه بالنتيجة سينتهي الى تقسيم العراق   وديمومة  نموذج حكومة اتحادية لا تملك  غير المصادقة على  حسابات  موازنة عامة تقوم  الأقاليم  والمحافظات بالتصرف فبها  ناهيك عن وجود السلاح المنفلت الذي سيؤدي بأمراء الطوائف الى تأسيس( جمهوريات ظل) في عموم محافظات العراق على غرار نموذج  الإقليم الكردي.

الحل البديل ان يصاحب القرار الاممي قوات لحفظ السلام تفرض الامن والأمان وتقديم المساعدة اللازمة في اجراء انتخابات وفق التمثيل الفردي، ودون ذلك لن يبقى هناك شيء اسمه العراق سوى خارطته!!

في  ضوء كل  ما تقدم  ، سبق وان طرحت (مبادرة دعم الدولة) من قبل الدكتور لبث كبة   بصفته الاستشارية   ، وهي  مبادرة لاعادة تصميم  السياسات العامة للدولة  ومخرجات  ادراتها  بالشكل الذي يحقق التناسب ما بين المفعة الشخصية  والمنفعة العامة  بما يحقق ذات التوازن المطلوب في  سمفونية عراقية  للهوية  الوطنية

هل كل ذلك ممكنا ؟؟

الجواب واضح وصريح ومعلوم جدا ..  كلا … القوى الاقليمية والدولية ومن تحالف معهم من حواسم الانتخابات ومفاسد المحاصصة وحكومتها العميقة وسلاحها المنفلت فعلت ما فعلت لأسقاط تلك المبادرة، على استعداد لأفعال ربما تنتهي بجعل العراق مجرد تاريخ دولة بلا احتكار للسلطة بل اقطاعيات حزبية توفر الملاذ لكل أشكال المفاسد بفتاوى وعاظ السلاطين .. وهم كثر …

هل هناك بارقة امل ؟؟

نعم ..لان الاغلبية الصامتة لم تعد كذلك ..بل تصرخ نريد وطن# في ساحات التحرير ومطلوب أن تعلو هذه الصرخة في جميع تضاريس الجغرافية الاجتماعية العراقية .. ما دام جيل المستقبل ليس أمامه غير العمل على مشتركات الهوية الوطنية في عقد اجتماعي دستوري بنظام سياسي ضامن للمنفعة الشخصية لكل مواطن في عراق واحد وطن الجميع

[1] دورة  ” بناء القدرات والحوكمة” بإشراف معهد القادة في  جامعة ستانفورد  وبالتعاون مع الجامعة الامريكية في السلمانية ومركز المشروعات الدولية الخاصة  في بغداد  /  عمان / نيسان 2018

[2] منقد داغر/ استطلاع راي العراقيين بعد 200 يوما على حكومة عبد المهدي/ الشركة المستقلة لبحوث الراي العام

[3] التحديات  المستقبلية للعالم العربي  /منشورات مؤسسة راند  / الرقم المعتمد في مكتبة الكونغرس الأمريكي 2011927725

[4] د. كمال البصري /محاضرة تداعيات العملية السياسية على الاداء الاقتصادي/3 نيسان 2018

[5] فرانسيس فوكوياما  / بناء الدولة .. النظام العالمي ومشكلة الحكم في القرن الحادي والعشرين / دار العبيكان / الطبعة الأولى الصفحات 11-51

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق