fbpx
مقالات

النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقيادة التحويلية لإدارة الأزمة تطبيقًا على جائحة الكورونا

بقلم : الدكتور/ جميل ابو العباس الريان – المركز الديمقراطي العربي

 

عندما تأتي الأزمات تنقلب الموازين وتفشل التخطيطات ويرتبك القادة والمسئولون الذين يسعون جاهدين- إلا قليلًا منهم- للمحافظة على مناصبهم ومصالحهم الخاصة على حساب مصلحة العامة والتضحية بالجزء لإبقاء الكل، لكن القائد الناجح والإداري المحنَّك يضع في حسبانه كيفية التصرف بحكمة في ظل الأزمات سواء أكانت طبيعية؛ كالزلازل والبراكين والأمطار والأوبئة وغيرها أم صناعية كخوض الحروب أو نشوب خلافات بين أبناء الوطن الواحد وغيرها. بل يقوم بتغير سياسته مستعينًا بخططه البديلة أو القيادة التحويلية لإدارة الأزمة بنجاح. وما أن ظهرت جائحة كورونا كوفيد-19 إلا وأربكت قادة العالم جميعهم الذي اجتاح موطنه الفيروس والذي ينظر يترقَّب دوره.

إذا كان المفكرون الغرب قد نظَّروا لهذا الأمر ووضعوا الخطط والاستراتيجيات التي ينبغي على القادة اتباعها لتفادي مخاطر الكورونا إلا أن هذه الخطط جاءت قاصرة؛ حيث ركزَّ كل واحد منهم على ضرورة تحلي القائد بصفة أو اثنتين، وحين استقرأت تاريخ سيرة خير البريَّة محمد صلى الله عليه وسلم وجدته وقد اجتمعت فيه كل صفات القائد العظيم، بل زاد عن هذه الصفات وحيًا وإيمانًا وخُلُقًا، وإن كان هؤلاء القادة يفعلون هذا من أجل المصلحة الدنيوية فحسب إلا أنه فاقهم بالعمل من أجل المصلحة الأخروية والدنيوية معًا، وأن صفاته صلى الله عليه وسلم كانت فطرية فيه وهي خاصة به دون غيره صلى الله عليه وسلم.

النبي القائد الأعظم:

لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأعظم الذي امتلك كل عوامل القيادة التحويلية بالوحي الذي أرسل به وبصفاته الأخلاقية العظيمة، وبحكمته ورجاحة عقله التي بدت عليه حتى قبل تبليغه الرسالة الخاتمة، لقد حمل على عاتقه مهمة تحويل عالم الكفر والأوثان إلى عالم الإيمان والإسلام، فلُقِّبَ بالصادق الأمين قبل دعوته، وقال فيه ربه تعالى:” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4)، وقال عنه أيضًا “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران:159)

فهل وضع قادتنا في مختلف المؤسسات خططًا تحويلية بديلة حتى يحموا أنفسهم وبلادهم من مخاطر فيروس كورونا، وحتى تنجو سفينة الوطن وتصل إلى بر الأمان؟

النبي القائد يضحي بنفسه أولًا قبل جنوده:

كان صلى الله عليه وسلم القائد المقدام الذي لا يضحي بجنوده ويختبئ خلف الصفوف وإنما كان في مقدمة الجيوش وهذا ما لم يفعله أـحد من قبله صلى الله عليه وسلم.

حقًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس حربًا وسلمًا، ففي الحرب يقول عنه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه واصفًا شجاعته: “لقد رأيتُنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا”. (رواه أحمد بن حنبل 241 ه رقم الحديث: 651) وقال البراء رضي الله عنه واصفًا شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب: “كنا والله إذا احمَرَّ البأس نتقي به وإنَّ الشجاع منا للذي يحاذي به”. (رواه مسلم رقم الحديث: 1776)

هل يفعل القادة اليوم مثل هذا فينزلون إلى الشوارع حتى يشعر المواطنون بالأمان والاطمئنان أو ركنوا إلى قصورهم وعروشهم خوفًا من الإصابة بالفيروس؟

النبي القائد لا يستبد برأيه:

ليس هذا فحسب بل كان صلى الله عليه وسلم يشارك أصحابه رضوان الله عليهم الرأي وينزل عن رأيه إذا أجمعوا هم على رأي يخالف رأيه، وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” (آل عمران:159) نِعم القائد هو محمد رسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

هل تشاور القادة مع أهل العلم والخبرة حول ما ينبغي فعله أو عدم فعله؟

النبي القائد يأكل آخرًا:

وفي مشاركة القائد الحق أصحابه في كل أحوالهم فيكفيه فخرًا صلى الله عليه وسلم أنه ربط على بطنه حجراً من شدة الجوع، كما جاء ذلك صريحاً في عدة أحاديث منها ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: “لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع”.

هذا هو القائد الحقيقي ليس الذي يترك جيشه وقت الأزمات ويأكل ويشرب ولا يبالي بغيره، بل كان صلى الله عليه وسلم يبدأ بأصحابه ويجعل نفسه آخر من يأكل أو يشرب، وكان يأخذ نصيبه مثل أصحابه ولا يزيد عليهم.

وفي حديث أبي طلحة أثناء حفر الخندق…… ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيهِ ما شاءَ أنْ يقولَ، أي: دَعا في الطَّعامِ بِالبرَكةِ، ثمَّ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأَبي طَلحةَ: ائذَنْ لِعشَرةَ؛ وذلكَ لأنَّ المكانَ لا يتحَمَّلُ العَددَ كلَّه، فأذِنَ لهمْ فأَكلوا حتَّى شبِعوا، ثمَّ خَرجوا، ثمَّ قالَ: (ائذَنْ لعَشَرةٍ) ثانِيةً، وهكَذا حتى أكَلَ القومُ كلُّهمْ وشبِعوا، والقومُ سَبعونَ أو ثَمانونَ رَجلًا، بِبركةِ دُعاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي هذا الحديثِ: حُسنُ عِشرتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابه، حيث لم يُرِدْ أنْ يُطعَمَ وَحدَه، وأصحابُهُ جَوْعى، بلْ أَطعمَهُمْ قبلَ أنْ يَطْعَمَ. وفيهِ: معجزةٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهي مِن دلائلِ نُبوَّتِهِ الشَّريفةِ.

هل تبرَّع قادتنا بجزءٍ من مرتباتهم مساعدة للدولة في ظل الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الجائحة؟

النبي القائد يبعث الأمل في نفوس أصحابه ويبشرهم:

وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- في أشد الأزمات يبشِّر أصحابه بالفرج، وإزاحة الغمة، ولما اشتد عليه الأمر في غزوة الأحزاب وكان الوصف كما وصف الله: (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) (الأحزاب:10)، إذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يبشرهم بفتح روم وفارس؛ فبشِّر ولا تنفر.

وفي أثناء حفر الخندق اعترضت الصحابة صخرة عتية، فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان رضي الله عنه، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” دعوني، فأكون أول من ضربها”. فقال:” بسم الله” فضربها، فوقعت فاقة، فقال:” الله أكبر، قصور الروم وربّ الكعبة”. ثم ضرب أخرى فوقعت فاقة، فقال:” الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة”. فقال عندها المنافقون: نحن نخندق، وهو يعدنا قصور فارس والروم. رواه الطبراني.

هل أرسل قادتنا رسائل تفاؤل تستبشر خيرًا وتطمئن عوام الناس المذعورين سواء من المصابين أم من غير المصابين؟

النبي القائد يدعو أصحابه للتحلي بالصبر:

إلى جانب بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وطمئنته لهم، كان يحثهم على التحلي بالصبر والرضا بما عند الله تعالى وما اعده لهم من نعيم مقيم في الآخرة، ومن ذلك عندما زاد ضغط المشركين وتعذيبهم للمسلمين المستضعفين، شكى خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) ( البخاري ).

وهذا الأسلوب في الطلب من خباب رضي الله عنه حين قال:” ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟” يوحي بما وراءه، وأنه صادر من قلوب أتعبها العذاب، وأنهكها الجهد، وهدتها البلوى، فهي تلتمس الفرج العاجل، وتستبطئ النصر فتستدعيه، ومع ذلك احمرَّ وجهه صلى الله عليه وسلم وقعد من ضجعته، وخاطب أصحابه بهذا الأسلوب القوي المؤثر، ثم عاتبهم على الاستعجال بقوله: (ولكنكم تستعجلون)، لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يربي أصحابه على أن قبل النصر البلاء والصبر، فالرسل وأتباعهم يُبْتلون ثم تكون لهم العاقبة، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (سورة يوسف، الآية:110)، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55).

إن من يتأمل ذلك الموقف الذي كان يعيشه خبّاب بن الأرت رضي الله عنه يدرك أن له من المبررات الكثير، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يربي الصحابة ومن يأتي بعدهم على الصبر والثبات وعدم الاستعجال، وعلى التأسي بالسابقين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، الذين تحملوا الأذى في سبيل الله، وضرب لهم الأمثلة في ذلك.

هل يفعل القادة في ظل الأزمة مثل ذلك مع المصابين وغيرهم؟

النبي القائد يشكر أصحابه:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكر أصحابه على القليل وخاصة في ظل الأزمات فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان والطيالسي، وهو حديث صحيح صححه العلامة الألباني.

هل شكر القادة الطواقم الطبيعة التي تسهر على رعاية المرضى والمحافظة على أرواحهم حتى تزداد طاقتهم الإيجابية إزاء الموقف؟

هذا غيض من فيض من الصفات الأخلاقية العظيمة التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الرخاء ووقت الشدة، ووقت اليسر والعسر، فعلى كل القادة ومديري الإدارات أن يتحلَّوا بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة وخاصة في ظل الأزمات وأزمة كورونا تحديدًا حتى يخرجوا من الأزمة دون خسائر أو بأقل خسائر ممكنة على أسوأ تقدير.

المراجع:

(1) حسن حسونة: أخلاق المسلم في الأزمات،

http://www.salafvoice.com/article.aspx?a=19981

(2) موقع إسلام ويب https://www.islamweb.net/ar/article/158922

(3) غسان محمد علوان: السيرة النبوية: غزوة الأحزاب (الخندق) 2.

https://www.facebook.com/

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق