مقالات

دبلوماسية المرأة العربية ووظيفة المفاوض الذكي

بقلم : شاهيناز العقباوي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مناصب البعثات قبل أوائل القرن العشرين كانت مقتصرة على الرجل لأنه الأقدر على تحمل المسئولية

بعد الحرب العالمية الثانية فُتح الباب أمام النساء للمشاركة في وظائف لها علاقة بالعمل الدبلوماسي

الدبلوماسية هي المهارة في إدارة الحوار، والقدرة على استنباط المعنى دون عناء، والدبلوماسي هو الشخص الذي يوكل إليه عمل لا يقدر عليه غيره، وعادة ما يسمى سفير وتقوم الدول والحكومات بإيفاده إلى الدول الصديقة والشقيقة والمجاورة التي تربط بينهما علاقة جيدة أو عادية لتوطيد أواصل الصلة لتبادل المصلحة، ويوفد الدبلوماسي أيضا إلى البلدان المعادية لتسيير الأمور وحل المعقد منها.

ويشترط فيه أن يكون شخصاً ذكياً يعرف كيف يتعامل مع الآخرين ويُجيد التعامل مع ما حوله وما يملك من معطيات، يمتلك أسلوب حوار راق وذكي يستطيع من خلاله حلّ أي خلاف مهما كان كبير بينه وبين الآخرين بسهولة، وعادةً ما يكون محبوب من قبل الجميع.

وللدبلوماسي دور مهم في توطيد العلاقة بين بلده والبلد الموفد إليها ويختلف أداؤه عن غيره في حسن الإدارة والفطنة وتسيير الامور، ويقوم المفوضون الدبلوماسيون خارج بلادهم، بجمع المعلومات عن كل ما يهم بلدانهم، ويرسلون تقارير رسمية، غالباً ما تكون في شكل رموز. كما أنهم يدافعون عن حقوق مواطنيهم خارج البلاد. ويتخذون من السفارة أو المفوضية مقرهم الرئيسي، والفرق الوحيد بين السفارة والمفوضية هي درجة الدبلوماسي المكلف فالسفير يرأس السفارة، والوزير المفوض يرأس المفوضية.

والدبلوماسية تعني الوثيقة الرسمية، وهي مشتقة من اللغة اليونانية وتشتمل على صياغة السياسات التي تتبعها الأمم لكي تؤثر على الأمم الأخرى. وتستخدم الدول فن التفاوض في حل المشكلات الدولية، واستعان قدماء الرومان بالممثلين الدبلوماسيين لأغراض خاصة. ولكن بازدياد تعقيد العلاقات بين البلدان، احتاجت الدول إلى ممثلين دائمين في البلدان الأخرى. فظهرت السفارات لأول مرة في إيطاليا أثناء القرنين الثالث عشر والرابع عشر حيث استخدمت في ذلك الوقت بوصفها أماكن للجواسيس، ولعملاء الجاسوسية، بالإضافة إلى الدبلوماسيين.. وكانت مناصب البعثات قبل أوائل القرن العشرين مقتصرة على الرجل، باعتبار أنهم أقدر من النساء على تحمل المسئولية لأن مهام المنصب في الماضي كانت تتطلب الكثير من الجهد والطاقة وقوة التحمل ولم يذكر لنا التاريخ إلا حالات فردية، استعانت فيها بعض الدول الكبرى بسيدات للقيام بمهام دبلوماسية لكنها تمت بنجاح رغم خطورتها. وبعد الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من نزول المرأة إلى ميادين العمل وتقدمت الدبلوماسية خطوات للأمام تطورت الأفكار وفتح الباب للسماح للنساء في المشاركة في وظائف لها علاقة بالعمل الدبلوماسي لكن بعد خضوعهن للعديد من شروط التعيين. وبمرور الوقت ومع إثبات المرأة كفاءتها  في إدارة فن التفاوض أصبح وجودها في السلك الدبلوماسي أمرا واقعا وتأكيدا على قوة العملية الديمقراطية، وتحظى المرأة العربية في العديد من البلدان  بمساحة من الحرية  تسمح لها بارتقاء مناصب ظلت لسنوات مقتصرة على الرجال في السلك الدبلوماسي بل وفى كثير من المواقف والقضايا التي تحتاج إلى التفاوض تفوقت فيها المرأة العربية واثبتت جدارتها منذ أن تمكنت أول سيدة عربية في صعود هذا السلم ، فعلى سبيل المثال لعبت المرأة دورا هامًا في الدبلوماسية المصرية وكانت هدى المراسى أول سيدة بدأت التدرج الوظيفي من ملحق دبلوماسي عام 1961 حتى تم تعيينها سفيرا في العاصمة الإيطالية روما بداية التسعينات، ولحقت بها الدكتورة عائشة راتب كأول سفيرة لمصر في الخارج ، وحاليا بلغ تمثيل المرأة في الكادر نحو 30% من إجمالي عدد الدبلوماسيين و تشغل سفيرتان منصب مساعد وزير الخارجية، واعتلت 18 منهن منصب نائب مساعد وزير الخارجية. وتزخر مسيرة الدبلوماسية المصرية بنماذج مشرفة، لسفيرات تولين مناصب قيادية بارزة عكست كفاءتهن وكن جديرات بالحصول على تقدير وثقة الدولة مثل السفيرة ميرفت التلاوي الأمين العام السابق للمجلس القومي للمرأة.

هذا وخاضت المرأة البحرينية تجربة العمل في هذا المجال منذ 1972، وابتداء من عام 1999 تم تعيين الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة أول سفيرة بحرينية لدى الجمهورية الفرنسية.  وحاليا أصبح وجود المرأة في السلك الدبلوماسي أمرا حتميا حيث تستحوذ على 32% من مجموع القوى العاملة في وزارة الخارجية، وهو ما يشكل 24% من الوجود النسائي على المستوى الدولي في الحقل الدبلوماسي.

وفى الإمارات شرعت الحكومة منذ تأسيس الدولة في الاهتمام بشؤون وقضايا المرأة لاسيما في المجال الدبلوماسي، فحاليا تشغل أول إماراتية منصب المندوب الدائم للدولة لدى منظمة الأمم المتحدة، إضافة إلى سبع سيدات أخريات يعملن كسفيرات في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية والتعاون الدولي. وأخريات في قنصليات عدة دول. وحتى عام 2019 بلغ عدد النساء الإماراتيات في السلك الدبلوماسي والقنصلي في مقر الوزارة 234 عضوة، بالإضافة إلى 42 من النساء العاملات في البعثات الخارجية لدولة الإمارات.

وبرزت المرأة الكويتية في السلك الدبلوماسي وشغلت نبيلة الملا منصب أول سفيرة للكويت لدى جمهورية زمبابوي، وتوجهت كمندوبة دائمة في الأمم المتحدة، حيث تعد أول سفيرة عربية مسلمة في الأمم المتحدة، كما تولّت رئاسة مجلس أمناء المركز الثقافي الإسلامي في نيويورك، واختيرت ريم محمد خالد زيد الخالد مساعدة لوزير الخارجية للشؤون الأمريكية كملحقة دبلوماسية في سفارة الكويت لدى النمسا وفي الوفد الدائم لبلدها لدى المنظمات الدولية بفيينا، وعـُينت سكرتيرًا أول في السفارة الكويتية بواشنطن.

وفي 2019 ازدهر الوضع للمرأة السعودية حيث عينت الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان آل سعود أول امرأة سعودية تشغل منصب سفير في الولايات المتحدة. وازدادت نسبة العاملات في المجال الدبلوماسي السعودي والتي بدأت عام 2010 بخمس موظفات دبلوماسيات و ازدادوا في فترة قصيرة إلى ما يقارب 250 موظفة في وزارة الخارجية، ويأتي تعزيز دور المرأة السعودية لتمكينها و مشاركتها في المناصب الدبلوماسية متواكبا مع أهداف 2030 .

الأمر لا يقتصر على النماذج النسائية السابقة في الدول العربية فأغلب العالم العربي إن لم يكن جميعه به العديد من النماذج النسائية الدبلوماسية العربية المشرفة والتي ترفع مشاركتها الكثير من رايات النجاح والنصر التفاوضي.

هذا وحظيت المرأة العربية بالكثير من الفرص التي أثبتت فيها قدرتها على التفاوض بل وتميزت في إعلاء قيمته وكشفت عن قدراتها الدبلوماسية في حل الكثير من القضايا ومعالجة العديد من المشاكل التي حالت دون حدوث الكوارث بل وساهمت في توسيع دائرة المصلحة والمنفعة العربية والدولية.

إجمالا: فإن سلسلة مشاركة المرأة العربية في السلك الدبلوماسي وإثبات جدارتها وتميزها في العمل بهذا المجال لم تنته، فخريطة العالم العربي الدولية تؤكد على استمرار عطائها وتثبت بمرور الوقت أن أعداد العاملات من النساء العربيات في هذا المجال لن تنته بل هي في ازدياد مستمر.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى