fbpx
الشرق الأوسطتحليلات

الفساد الإداري بين التوصيف والمعالجة

د. أيمن رمضان الزيني
الفساد الإداري وأشكاله
– مفهوم الفساد الإداري:
تباينت الراء والمذاهب الفقهية بشأن تحديد مفهوم الفساد الإداري ، وقد يعزى سبب ذلك لإختلاف رؤي وتوجهات المدارس الفلسفية التي تناولت موضوع الفساد الإداري ، واختلاف المدارس الفلسفية يعود سببه لإختلاف أفكار وثقافات وتوجهات رواد هذه المدارس من الكتاب والمنظرين والعلماء.
وعرف جانب من الفقه الفساد الإداري بأنه:
” التأثير غير المشروع في القرارات العامة ” .
كما عرفت منظمة الشفافية الدولية للفساد الإداري بأنه:
” كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته ” .
أشكال الفساد الإداري:
تتعدد وتتباين أشكال الفساد الإداري ، وبحسب ماجاء في تقرير الندوة الإقليمية التي عقدتها دائرة التعاون الفني للتنمية ومركز التنمية الاجتماعية والشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة ، فان للفساد ثلاثة أشكال رئيسة يتضمن كل منها ثلاث ممارسات فرعية وهي :-
وفقا للرأي العام :-
1- فساد ابيض .
2- فساد اسود .
3- فساد رمادي .
وفقا للممارسة :-
1 – سوء استخدام الروتين .
2- الممارسة غير الأمينة للصلاحية .
2- ممارسات مخالفة للقانون .
وفقا للغرض :-
1 – استخدام الموارد العامة لتحقيق مصالح خاصة .
2 – خدمة الأقارب و الأصدقاء .
3 – السرقة العامة .
وتصنيف أشكال الفساد الإداري وفقا للرأي العام يعني اعتماد الرأي العام أساساً لتصنيف شكل الظاهرة السلبية الموجودة .
ونتناول كل نمط ببعض التفصيل علي النحو التالي:
أولاً :- الفساد الإداري وفقا للرأي العام :-
1- الفساد الأبيض :
ويعني إن هناك اتفاق كبير من قبل الجمهور والموظفين العاملين في الجهاز الإداري على تقبل واستحسان العمل او التصرف المعني ، بما يعني تسرطن الفساد داخل دعائم المجتمع واركانه ، بل واستطالته لثقافة الشعب وقيمه ومعتقداته وعاداته وتقاليده ، وهو اخطر انماط الفساد وأكثرها صعوبة في المعالجة .
2- الفساد الأسود :
ويشير إلى اتفاق الجمهور والموظفين العاملين في الجهاز الإداري على إدانة واستهجان السلوك الموصم بالفساد .
3- الفساد الرمادي :
وسمي بالفساد الرمادي لعدم إمكانية احتسابه على أي نوع من النوعين السابقين . ويعود سبب ذلك إلى غياب الاتفاق من عدمه حول عمل أو تصرف معين قبل الجمهور والموظفين
وتتجلي اشكال الفساد الإداري وفقا للممارسة في عدة صور اخصها :
1- – سوء استخدام الروتين :
فتعقيد الإجراءات الإدارية وسوء استخدام الروتين ، قد يدفع ببعض المواطنين لإستخدام الأساليب غير المشروعة من اجل الحصول على خدمة ما أو انجازها بأقل جهد أو كلفة .
2- – الممارسة غير الأمينة للصلاحيات :
فالممارسة غير الأمينة للصلاحيات الممنوحة للموظف في الجهاز الإداري ، قد تدفعه لمنح الامتيازات والتسهيلات لبعض المواطنين وحرمان البعض الآخر منها دون الإستناد لأسس وقواعد موضوعية أو لسياسة معينة.
3- – ممارسات مخالفة للقانون :
وتعني قيام الموظف في الجهاز الإداري بممارسات مخالفة للقانون ونصوصه، بهدف تحقيق مكاسب شخصية منبتة الصلة بالمصلحة العامة.
أما الفساد الإداري وفقا للغرض فيتجلى في عدة صور ، افردتها عليه الندوة التي عقدتها دائرة التعاون الفني للتنمية بالأمم المتحدة واخصها:
1- الفساد الناتج عن استخدام الموارد العامة لتحقيق أهداف شخصية مثل :
– التزوير في تقدير الضرائب وتحصيلها .
– إقامة مشروعات وهمية .
– التدخل في مجرى العدالة .
2- الفساد الناتج عن خدمة الأقارب والأصدقاء مثل :
– مخالفة الإجراءات المتبعة لتحقيق مصلحة شخصية .
– التغاضي عن الأنشطة غير القانونية لصالح الأقارب والأصدقاء .
– تقديم تسهيلات غير مشروعة .
3- الفساد الناتج عن السرقة العامة مثل :
– التلاعب بالأسعار .
– التلاعب بالرواتب و الأجور .
– التلاعب بنظم الحوافز والمكافآت .
وكنتيجة تعدد أشكال الفساد الإداري فقد تعددت مظاهره واخصها :
– – الرشوة (Bribery) : أي الحصول على أموال أو أية منافع أخرى من اجل تنفيذ عمل أو الامتناع عن تنفيذه مخالفة للأصول .
– – المحسوبية (Nepotism): أي تنفيذ أعمال لصالح فرد أو جهة ينتمي لها الشخص مثل حزب أو عائلة أو منطقة … الخ , دون أن يكونوا مستحقين لها .
– – المحاباة (Favoritism): أي تفضيل جهة على أخرى أو شخص علي آخر في أداء الخدمة بغير حق بغرض الحصول على مصلحة معينة
– – الواسطة (Wasta): أي التدخل لصلح فرد ما، أو جماعة دون الالتزام بأصول العمل والكفاءة اللازمة ،
مثل تعيين شخص في منصب معين لأسباب تتعلق بالقرابة أو الانتماء الحزبي رغم كونه غير كفؤ أو غير مستحق لها .
– – نهب المال العام: أي الحصول على أموال الدولة والتصرف بها من غير وجه حق تحت مسميات مختلفة .
– الابتزاز (Black mailins): أي الحصول على أموال من طرف معين في المجتمع مقابل تنفيذ مصالح مرتبطة بوظيفة الشخص المتصف بالفساد.
أسباب الفساد وأثاره
أسباب الفساد الإداري :
للفساد الإداري اسباب متعددة لعل أخصها :
1- الأسباب الحضرية : وتعزي الفساد للفجوة التي تنشأ بين القيم الحضرية السائدة في المجتمع وبين قيم وقواعد العمل الرسمية المطبقة في أجهزة الدولة ، لذا فأن حالات مخالفة قيم وقواعد العمل الرسمية تعد استجابة طبيعية للنظام القيمي الحضري.
2- الأسباب السياسية : والتي تنجم عن محدودية قنوات التأثير غير الرسمية على القرارات الإدارية ،
بالإضافة لضعف العلاقة ما بين الإدارة والجمهور وانتشار الولاءات الجزئية، والتي من شأنها أن تؤدي إلى بروز الفساد الإداري .
3- أسباب هيكلية :وتعزى لوجود هياكل قديمة للأجهزة الإدارية لم تتغير على الرغم من التطور الكبير والتغير في قيم وطموحات الأفراد ، وهو مايؤدي لتهيئة الفرصة للعناصر المنحرفة من العاملين بالجهاز الإداري للدولة لاتخاذ مسالك وطرق تعمل تحت ستار الفساد الإداري بغية تجاوز محدوديات الهياكل القديمة
وما ينشأ عنها من مشكلات تتعلق بالإجراءات وتضخم الأجهزة الإدارية المركزية .
4- أسباب قيمية : وتعزي الفساد الإداري لانهيار النظام القيمي للفرد أو المجموعة.
5- أسباب اقتصادية : لعل المنظومة الاقتصادية التي ترتكز محاورها علي عدم العدالة في توزيع مصادر الثروة في المجتمع ، من شأنها ايجاد حالة احتقان بين طبقات المجتمع ، وحالة الأحتقان هذه تعد اخد اهم الاسباب لانتشار وتسرطن الفساد .
6- ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها .
– المراحل الانتقالية والفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ، تؤدي لتزايد الفرص لممارسة الفساد ، فعدم اكتمال البناء المؤسسي والإطار القانوني من شأنه توفير بيئة مناسبة للفاسدين لأستغلال ضعف الجهاز الرقابي على الوظائف العامة في هذه المراحل.
آثار الفساد الإداري :
للفساد بصورة عامة مجموعة من الآثار السلبية لعل من أخصها:
1- حالات الفقر وتراجع العدالة الاجتماعية وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع ، نتيجة تركز الثروات والسلطات في أيدي فئة الأقلية التي تملك المال والسلطة على حساب فئة الأكثرية وهم عامة الشعب.
2- ضياع أموال الدولة وعدم الاستغلال الأمثل لها في إقامة المشاريع التي تخدم المواطنين ، سواء كان هذا الفقد بسبب سرقة هذه الأموال أو اختلاسها، وهو ما يكون له انعكاسات خطيرة على الفئات المهمشة.
3- فقدان الثقة في النظام السياسي و الاجتماعي ، وهو مايؤدي لضعف او فقدان الشعور بالمواطنة والانتماء ، وهجرة العقول والكفاءات والتي تفقد الأمل في الحصول على موقع يتلاءم مع قدراتها ، وهو مايؤثر سلباً على اقتصاد وتنمية المجتمع عموماً.
4- خلخلة القيم الأخلاقية وزيادة الشعور بالإحباط واللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التعصب والتطرف في الآراء وانتشار الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وانعدام تكافؤ الفرص .
5- فقدان قيمة العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي والرقابي ،
وهو ما يؤدي لإزدياد حجم المجموعات المهمشة والمتضررة وبشكل خاص النساء والأطفال والشباب .
6- وتراجع الاهتمام بالحق العام ، والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي لزيادة الشعور بالاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع .
7- الفشل في جذب الاستثمارات الخارجية ، وهروب رؤوس الأموال المحلية.
8- أهدار الموارد بسبب تداخل المصالح الشخصية في المشاريع التنموية العامة ، والكلفة المادية الكبيرة للفساد على الخزينة العامة كنتيجة لهدر الإيرادات العامة .
9- الفشل في الحصول على المساعدات الأجنبية ، كنتيجة لسوء سمعة النظام السياسي .
10- هجرة الكفاءات الاقتصادية نظرا لغياب التقدير وبروز المحسوبية والمحاباة في شغل المناصب.
11- يقود إلى الكثير من الصراعات حال تعارض المصالح بين مجموعات مختلفة .
12- يؤدي لزياده حالات النفاق السياسي كنتيجة لشراء الولاءات السياسية .
13 – يؤدي لضعف المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني ، وتعزيز دور المؤسسات التقليدية.
14 – الإساءة لسمعة النظام السياسي وعلاقاته الخارجية ، خاصة مع الدول التي يمكن أن تقدم الدعم المادي له , وبشكل يجعل هذه الدول تضع شروطا قد تمس بسيادة الدولة لمنح مساعداتها .
15 – يضعف المشاركة السياسية نتيجة لغياب الثقة بالمؤسسات العامة وأجهزة الرقابة والمساءلة .
آليات مكافحة الفساد:
استراتيجية محاربة الفساد تتطلب استخدام وسائل شاملة تدعمها الإرادة الشعبية والسياسية والمجتمعية ،
والتي ترتكز علي المحاور الاتية:
1- تبني نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون، من خلال أعلاء قيم ومفاهيم الخضوع المتساوي والشامل لجميع افراد المجتمع للقانون واحترامه والمساواة أمامه وتنفيذ أحكامه ،
وأعادة بناء النظام السياسي والاقتصادي والمجتمعي علي اسس الشفافية والمساءلة .
2- بناء جهاز قضائي مستقل وقوي ونزيه، وتحريره من كل المؤثرات التي يمكن أن تضعف عمله، والتزام السلطة التنفيذية بأحترام أحكامه .
3- تفعيل القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد على كافة المستويات، كقانون الإفصاح عن الذمم المالية لذوي المناصب العليا، وقانون الكسب غير المشروع، وقانون حرية الوصول للمعلومات، وتشديد العقوبات المتعلقة بسلوكيات الفساد ( كمكافحة الرشوة والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة ) في قانون العقوبات .
4- تطوير دور الرقابة والمساءلة للهيئات التشريعية من خلال الأدوات البرلمانية المختلفة في هذا المجال ،
مثل الأسئلة الموجهة للوزراء وطرح المواضيع للنقاش العلني ، وتفعيل إجراءات وأليات التحقيق والاستجواب وطرح الثقة في الحكومة .
5- التركيز على البعد الأخلاقي وبناء الإنسان في محاربة الفساد في قطاعات العمل العام والخاص ،
وذلك من خلال التركيز على دعوة كل الأديان لمحاربة الفساد بأشكاله المختلفة , وكذلك من خلال قوانين الخدمة المدنية أو الأنظمة والمواثيق المتعلقة بشرف ممارسة الوظيفة ( مدونات السلوك ).
6- تنمية الدور الجماهيري والمشاركة المجتمعية في مكافحة الفساد من خلال برامج التوعية بهذه الآفة ومخاطرها وتكلفتها الباهظة على الوطن والمواطن، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والمعاهد التعليمية والمثقفين في محاربة الفساد والقيام بالتوعية الجماهيرية .
7- عدم الابقاء علي المسؤولين لفترات طويلة في موقع واحد ، حيث يؤدي هذا الإبقاء لتغيير سلوكياتهم
(إلا البعض النادر منهم). . فيتحولون من أشخاص منتجين إلى أشخاص يتكلون على أجهزتهم وعلى المتعاملين معها.
8- زيادة برامج التوعية والتثقيف ضد الفساد الإداري ونشر ثقافة الولاء والتفاني في العمل لتحقيق المصلحة العامة .

9- تقوية العلاقة بين الأجهزة الإعلامية وأجهزة مكافحة الفساد .
10- اعتماد استراتيجية شاملة ودقيقة تتضمن إجراءات رادعة ووقائية وتربوية واضحة، ضمن سقف زمني محدد، توجه من خلاله ضربات قاصمة للمؤسسات والإفراد الفاسدين والداعمين للفساد في جميع المستويات الإدارية وبدون استثناء، وتعتمد الخبرات والكفاءات الوطنية وتأخذ بعين الاعتبار معايير الشفافية والمصداقية، وأخصها وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، ووضع آليات موضوعية للتوصيف الوظيفي في اختيار المسؤول .
11- اعتماد بعض الإجراءات التي تساعد على القضاء أو الحد من ظاهرة الفساد الإداري ولعل أخصها :
أ‌- تقليل الروتين وتبسيط إجراءات العمل وسرعة انجاز المعاملات إلى الحد الذي لا يتيح للموظف سهولة التلاعب .
ب‌- العمل على جعل عملية تقييم أداء الموظفين والمؤسسات ، تتم بصورة آلية ومستمرة لكشف الانحرافات وتصحيحها بصورة مستمرة والحيلولة دون استمرار هذه الانحرافات لتصبح جزء من الثقافة السائدة في العمل.
12- أخذ التدابير الوقائية والعلاجية والعمل على تفعيل القوانين ووسائل الردع وتطوير النظم الرقابية.
ويوجد اتجاهين أساسيين لمكافحة الفساد الإداري هما:
الاتجاه الأول :
العمل بالإصلاحات الإدارية والترتيبات الوقائية، ويشمل هذا التوجه استخدام كافة الطرق والأساليب الوقائية بهدف منع حدوث حالات الانحراف.
الاتجاه الثاني :
مقاضاة المخالفين والضرب بيد من حديد على الرؤوس الفاسدة داخل الجهاز الإداري، ويشمل هذا التوجه استخدام كافة الطرق والأساليب العلاجية بهدف معالجة حالات الانحراف .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق