مقالات

سياسة إلهاء الجماهير

بقلم: د. مصطفى عبد الباسط
عندما قام ديفيد إيستون بتعريف النظام السياسى ووضع له نموذج اعتمد على ثلاث عناصر وهى: المُدخلات ، المُعالجة، المُخرجات، حيث أكد أن النظام السياسى تظهر ديناميكيته ومرونته وقت التعامل مع المدخلات الآتيه له من الجماهير وسرعة معالجته لها واتخاذ القرار السليم فى  الوقت المناسب كمُخرج لهذه المُدخلات والمطالب.

إذن النظام السياسى لا بد أن يتعامل مع المدخلات بشكل مباشر حتى يستطيع اتخاذ السياسة التى تناسب رغبات الجماهير، ولكن هناك سياسة قد يلجأ لها النظام فى حالة ضعفه وعدم قدرته على الاستجابة لمعظم مطالب الجماهير وهى سياسة الإلــــــــــهاء.

ويلجأ النظام لهذه السياسة فى حالة وجود ضغط مجتمعى عليه بشأن قضية ما، أو فشله فى إدارة أزمة ما وعدم قدرته على إيجاد حلول منطقية ومُرضية للقطاع العريض من الجماهير الرافضة لسياساته، فيلجأ لسياسة الإلهاء والتى تعنى قيام النظام بإختلاق أزمة أكبر أو على قدر الأزمة الموجودة حتى يشغل الجماهير بهذه الأزمة الجديدة ويحول مسار اهتمام الرأى العام لها إضافة إلى تحويل تفكير الجماهير واهتمامهم من الأزمة الأهم إلى الأقل أهمية، والنظم العربية تجيد هذه اللعبة بشكل يكاد يجعلنا نتيقن أن هذه السياسة هى الأداة الوحيدة للنظام التى يلجأ إليها كثيراً لانقاذه من الغضب المجتمعى. وكأنهم يطبقون ما قاله هتلر قديما: “إذا أردت أن تسيطر على شعبك فابدأ بحملة تخوين لكل المُقربين إليك، وأشعر الشعب بأن هناك خطر داهم يواجههم حينها تستطيع أن تسيطر”.

ولكن هل لهذه السياسة استمرارية تستطيع أن تحافظ على استقرار النظام السياسى؟ بالطبع لا فهذه الطريقة ما هى إلا مسكن يلجأ له النظام لعدم قدرته على التعامل المرن مع متغيرات ومتطلبات المشهد السياسى، ظناً منه أن هذه السياسة قد تعطى له مزيد من الوقت للتفكير كيف يخرج من هذا المأزق ولكن تكرارها قد يضعه فى مأزق لن يستطيع الخروج منه سوى بإزاحته من سدة الحكم.

إذن لماذا يلجأ النظام السياسى مهما اختلف توجهه الأيديولوجى لسياسة الإلهاء، ومن وجهة نظرى أن النظام يكرر اللجوء لهذه السياسة كثيراً لإنعدام الرؤية الواضحة لديه، وعدم وجود خطة متكاملة الجوانب تكون بالنسبة له خارطة الطريق التى يستطيع من خلالها السير قدماً مع تميز هذه الخطة بالمرونة لتقبل أى تعديلات أو تغييرات عليها، وعند انعدام الرؤية قد نجد أن النظام السياسى ينغلق على نفسه ولا يستجيب للمُدخلات الآتيه له من الجماهير، وهذا ما يسمى بالقوقعة السياسية ففى هذه الحالة يشبه النظام السياسى السلحفاة عندما تكون خائفة من شئ يهددها وتنغلق على نفسها، ولكن فى حالة النظام السياسى قد يعنى ذلك الحكم على نفسه بالانهيار.

وحاصل القول، كيف يُعالج النظام السياسى هذا القصور؟ بالطبع علاج هذا القصور ليس بالشئ الهين ولكن ليس من المستحيل، ليس هين لتعود النظام السياسى على مجموعة من السياسات التى ألفتها مؤسسات الدولة، وألفها الجمهور أيضاً، لذلك يجب على الحاكم عندما يأتى لسدة الحكم أن يغير من هذه الحالة بشكل تدريجى حتى نستطيع أن نقول أننا نشعر كمواطنين بأن هذا النظام ينتهج سياسة مغايرة عن كل الأنظمة السابقة لها مردود إيجابى فى نفوس المواطنين.

وبناءاً عليه من الواجب على أى حاكم عندما يتقلد أعلى منصب سياسى فى الدولة، أن يضع لنفسه كنظام مجموعة من الأطر من خلالها يحاول إجراء تعديلات تدريجية على الوضع المألوف، نعم سيجد مصادمات كثيرة ولكن حنكته السياسية وقدرته على التعامل مع مختلف العقليات تمكنه من الوصول للهدف الذى جاء من أجله، حتى يتمكن أن يُحدث تغييراً ظاهراً للعيان فكما قال الكواكبى إن الحاكم مثل الوصى على الأيتام إن كان غنياً فليستعفف وإن كان فقيراً فليأكل بالمعروف.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى