الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

حركية المجتمع التونسي وإيديولوجية النخبة الحاكمة: مقاربة تحليلية

اعداد : د. عائشة عباش – جامعة الجزائر 3

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تأتي دراستنا لموضوع حركية المجتمع التونسي وربطه بالنخبة السياسية إلى اعتقاد مفاده أن هناك دائما أقلية مسيطرة على قمة المجتمع ، وهو ما أثبتته التجارب العربية وتونس واحدة منها ، إذ وإن اختلف الناس في تحديد دور الشخص في التاريخ ،لكون العوامل السياسية و الاجتماعية والثقافية وغيرها هي التي تحدد مجرى الأحداث التاريخية ، غير أنتلك العوامل تمر دائما عبر أشخاص يعبرون عنها وعن حاجياتها ويصبغون الأحداث بصبغتهم الخاصة ، مما يعني أن هناك مجموعة من المتغيرات المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر على بنية المجتمعات وديناميكيتها.

وفي دراستنا هذه نعتمد على اقتراب النخبة كآلية من آليات تحليل حركية المجتمع التونسي، حيث نعتقد أنه لا يمكن فهم حركية المجتمع التونسي ومختلف تحولاته دون الرجوع إلى دور النخبة الحاكمة ، و هو ما يسمح لنا بالوقوف على سيرورة تطور المجتمع التونسي، وتأسيسا على ذلك نطرح الإشكالية التالية:

إلى أي مدى استطاعت النخبة السياسية الحاكمة في تونس بلورت معالم المجتمع التونسي وضبط حركيته؟.

و من هذا المنطلق نسعى إلى فهم الدور التاريخي الذي لعبته السلطة التونسية في هيكلة الروابط الاجتماعية ،أو مثلما سماها ” فوكوياما” دولنة علاقات السلطة  ، هذه الأخيرة التي سوف تلعب دورا حاسما في إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية وإعادة بناء الهويات الفردية والجماعية،  ففي موضوع بحثنا والخاص بالحالة التونسية ، نجد بأنه لا أحد يشك أن نهضة الحركة الوطنية في تونس خضعت لعوامل بنيوية واجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز الأفراد … ولكن لا أحد ممن واكب التاريخ التونسي الحديث يمكنه أن ينكر الدور الخاص الذي لعبته شخصية بورقيبة وتكوينه في نحت الأحداث السياسية منذ مطلع القرن 19 وفي التأثير على مجرياتها ، وتواصل ذلك بعد الاستقلال في ظل خوض تجربة البناء الوطني، وكذلك الشأن بالنسبة لوريثه بن علي من خلال جملة الإصلاحات التي ميزت فترة حكمه وانعكاساتها على حركية المجتمع التونسي التي جاءت نتيجة أو تماشيا ومسيرة الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، حيث حاولت النخبة الحاكمة من خلال ذلك صناعة مجتمع مغاير وفق معايير إيديولوجية معينة.

من خلال ترسانة الضمانات القانونية والسياسية التي أحاطت بها السلطة التونسية نفسها لتأسيس شرعية قانونية تكفل لها الاستمرارية في الحكم،ومع ذلك كانت النخبة الحاكمة تشعر بهشاشة منصب الرئاسة ،لذلك عملت على البحث عن سبل أخرى لتوطيد المنصب ، فنجد بورقيبة مثلا عاد للتاريخ لتضخيم سجله النضالي وما حققه من انتصارات ومواقف مناهضة لسياسة الباي أيام كان وزيرا أول في حكومة الاستقلال الداخلي.

ومن جهة أخرى و رغم حرص بورقيبة حرصا شديدا على إرساء الوطنية ، كمدخل تحديثي للقضاء على دعامتي الحكم التقليدي القبيلة والدين ،إلا أنه تفطن إلى خطورة اللعبة فأبقى على رابطة دينية وهمية تغذي منصب الرئاسة في التصورات الاجتماعية التقليدية ، فاختار لقب المجاهد الأكبر وفيه إحالة أو إيحاء بمفهوم الجهاد ، سعيا وراء شرعية دينية ، تزكيه وتملأ فراغ عصبية دولته .لقد اختزل بورقيبة شرعيته في وطنية مشوبة بالدين ، مثلما عبر عنها “د. صالح المازقي”، ليقينه<<بأن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بعصبية دينية …والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة و المنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم ، وبالتالي فالنخبة الحاكمة سعت جاهدة لتبرير شرعيتها بشتى الطرق ومن ذلك خلق محيط اجتماعي لا يؤمن إلا بفكرها.

1- البحث في آليات الاستمرارية في الحكم : بالإضافة إلى الامتيازات التي تختص بها تونس كونها دولة موحدة على المستويين الجغرافي و المجتمعي-مثلما أسلفنا في المبحث السابق-وهو ما وفر للحزب الحاكم الأرضية السياسية المناسبة، توفر القيادة التونسية عدة ضمانات لأجل استمراريتها في الحكم منها:

  • ازدواجية عمل النخبة في الحزب والحكومة.
  • تأسيس نخبة موالية والحفاظ عليها.
  • سيطرت الحزب على كافة مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني

2أثر النخبة الحاكمة على المجتمع التونسي: السعي إلى تأميمه. يتجلى أثر النخبة على المجتمع التونسي من خلال جملة المظاهر التي اكتساها هذا الأخير جراء الإصلاحات الثقافية والاقتصادية المنبثقة عن الخلفية الإيديولوجية لرئيسي تونس ما قبل الثورة، سواء بالنسبة للرئيس بورقيبة (1956-1987)أو بالنسبة لوريثه زين لعابدين بن علي (1987-2010) ، فكليهما اعتبرا النموذج الغربي المثال الذي يحتذى به ، إذ فتحت شعار تحديث المجتمع التونسي وبناء دولة عصرية سعى بورقيبة إلى استيراد الحداثة الغربية الجاهزة وتطبيقها في تونس بهدف التغيير السريع من جهة ، وتمتين العلاقة مع فرنسا “الأم”مثلما وصفها بورقيبة من جهة أخرى، وبالتالي الانسلاخ عن المقومات الأساسية للمجتمع التونسي ، وقد صرح: ” بأنا ما يربطنا بالعرب ليس إلا من قبيل الذكريات التاريخية ، وأن من  مصلحة تونس أن ترتبط بالغرب وفرنسا بصورة أخص ،وأن مرسيليا أقرب لنا من بغداد أو دمشق أو القاهرة، وأن اجتياز البحر المتوسط لأسهل من اجتياز الصحراء الليبية”.

وذلك لأجل إخراج تونس من السياق الحضاري – العربي والإسلامي- وربطها بالحضارة الغربية ، اقتداء بالنموذج التركي ، إذ فقد كان بورقيبة شديد الإعجاب بالتوجه العلماني ل”أتاتورك” ومع ذلك عاب عليه تصريحه بالعلمانية في الدستور، وذكر أنه كان عليه أن يعلن الإسلام ويطبق العلمانية في الواقع ، وبهذا لا يترك مجالا لاتهام الدولة بالتخلي عن الدين، مثلما هو وارد في مادة من الدستور التونسي التي تنص على أن <<دين الدولة الرسمي هو الإسلام >> ولكن المواد الأخرى تجعلها مجرد حبر على ورق، بدليل الإنجازات الثقافية التي باشرها بورقيبة بعد ستة(06) أشهر من فترة حكمه أي في 03أوت 1956 وكانت البداية ، بإلغاء المحاكم الشرعية وإقامة نظام قضائي بورجوازي مستوحى من النظام القضائي الفرنسي ، وشعورا من بورقيبة بالحاجة إلى تعديل الإسلام لملائمة العالم الحديث و تحقيق العدالة الاجتماعية بين الرجل والمرأة ، فقد أقدم في 13أوت 1956 على إقرار قانون الأحوال الشخصية ، الذي جاءت مواده مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.

ومما ورد في صحيفة الأحوال الشخصية نذكر على سبيل المثال: المادة (143) الخاصة بالميراث حيث جاء في الفقرة (02) منها : على أولوية إعادة الملك لمالكه الشرعي ، والذي من خلاله إعطاء الأسبقية في توريثه البنات والحفيدات من بين الورثة من جهة الأب …ومساواة حقوق الإناث المالية والموروثة بحقوق الذكور من أبناء المتوفى .

-كما اختار نظام الحكم في تونس، يوم الأحد يوم العطلة الأسبوعية وجعل من الجمعة والسبت يومي عمل في الدوائر الحكومية، ومعروف أن أيام العطلة لها دلالة رمزية وترتبط بالهوية الدينية للشعوب ، فيوم الجمعة هو يوم العطلة الرسمية بالنسبة للشعوب الإسلامية ، والسبت للمسحيين والأحد لليهود، و في هذا الصدد يطرح عالم الاجتماع “د. محمود الذوادي” تساؤل حول مدى تأثر الهوية التونسية الجماعية بهذا الخليط من يوم الجمعة وأقل من نصفي يومي الجمعة والسبت ؟ وفي نفس الوقت يقدم تفسيرا لذلك ، فهو يعتبر أنه من المؤكد أن العطلة الأسبوعية التي يتمتع بها التونسي يوم الأحد لا تجعله يشعر أنه أصبح ذا هوية مسيحية، وأن أقصى ما تفعله فيه هو شعوره بالحداثة ، ومن جهة أخرى لا تقترن بقوة في ذهنية التونسي بالنسبة لعطلة يوم الجمعة كونه يتمتع بالراحة لنفس الساعات يوم السبت ، و بالتالي هذا الإجراء لا يكاد بالمرة يساعد على تعزيز الجانب الإسلامي في الهوية التونسية ، بل على العكس فهو يعمل على تعميق الشعور بالتذبذب و الضياع للهوية عند التونسيين أفرادا وجماعات.

إن تلك الإصلاحات وغيرها هي عبارة عن مؤشرات تنبئ بموقف القيادة التونسية من الانتماء العربي الإسلامي حيث كانت قليلة التعاطف مع فكرة انتساب الشعب التونسي إلى الهوية العربية الإسلامية ، وإن موقف بورقيبة هو امتداد لجدل و صرع عرفته النخبة التونسية منذ أواسط القرن التاسع عشر ، واستمر طيلة الفترة الاستعمارية و ما تلاها من نشأة الدولة الوطنية الحديثة مع منتصف القرن العشرين ، وفحوى هذا الصراع هو كيفية التعامل مع النموذج التحديثي الغربي، وقد حسم التحدثيون في المسألة بعد أن استحوذوا على السلطة عام 1956 ، لينطلقوا في نحت شخصية قاعدية جديدة قائمة على مبدأ التفكيك والتركيب ، عن طريق تفكيك كل مرجعيات التقليدية حتى أوشكت على الذوبان كلية في إطار تركيب مرجعية الغربنة والتحديث.

وذلك وفق خطة إستراتيجية وضعتها النخبة مثلما يرى “د. منصف الوناس” بإقامة التلازم بين التحديث السياسي و الاجتماعي من جهة والتحديث الثقافي و الديني من جهة أخرى ، تلازم عضوي لأنه يمثل مرتكزا استراتيجيا لعملية التحديث وتشكيل الأنا الوطني وإعادة الشخصية الوطنية من ناحية ، ومن ناحية أخرى تلازم ذلك أيضا مع مخطط استراتيجي تمثل في هدم آخر لبنات القبيلة والعشيرة والقضاء على الولاءات الضيقة عبر توطين البدو الرحل ومنع كل التعبيرات العروشية والقبلية التي من شأنها الحد من الولاء للدولة والزعيم.

و بالفعل هذا ما جسده بورقيبة حيث كان حذرا حتى في استعماله المفاهيم السياسية ، فلم يستعمل إلا نادرا مفهوم ” الدولة الأمة ” وإنما كان شديد التركيز على ” مفهوم الدولة التونسية ” أو “الدولة الوطنية”، كونه يدرك تعقيدات وخصوصيات العلاقة الجدلية بين مفهوم الأمة والدين بوصفه عنصرا متجذرا في الشخصية القاعدية والتصورات الاجتماعية التونسية ، ووعيا منه بكل الثوابت السوسيولوجية لمجتمعه وفي مقدمتها دور القبيلة ومكانتها في تحديد الاستقرار السياسي للبلاد أو زعزعته بالانتفاضة أو الثورة عليه ، مما جعله شديد الحذر والتوجس من العامل القبلي على حكمه ، ولذلك سعى بكل ذكاء وحكمة إلى الالتفاف حول الواقع القبلي للمجتمع التونسي باسم الوطنية ، لاحتواء القبيلة وطمس معالمها وقطع جذورها بعد أن وظفها في محاربة الاستعمار الفرنسي ، لذلك ما انفك بورقيبة طوال فترة حكمه يدعو إلى بناء دولة عصرية ، وتجاوز الضغينة والثأر وروح الانتقام.

3- آليات ضبط الحراك الاجتماعي: مثلما خططت النخبة الحاكمة لإنتاج نخبة موالية لها تؤمن بفكرها وتنشره ، احترزت أيضا من ظهور نخبة مضادة لتوجهها ، ولذلك وصدا لأي احتمالات يمكن أن تعرقل المشروع التحديثي والإصلاحي فقد اتخذت النخبة الحاكمة عدة إجراءات نذكر منها:

– تجفيف منابع النخبة المضادة ، والتي تمثلت في العهد البورقيبي في “الحركة الزيتونية” خصوصا وأن جامع  الزيتونة كان معلما من معالم الهوية التونسية فقد ساهم على مر التاريخ في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمغاربة ككل ، وهو لم يكن عظيما بمؤسسيه أو تاريخه الطويل فحسب، وإنما كذلك بخرجيه الذين أسهموا في إثراء الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية ، أمثال ابن خلدون ، والشيخ عبد العزيز الثعالبي،… إذ مثلت الحركة الزيتونية مركز الضمير الجمعي ورمز الهوية العربية والإسلامية للشعب التونسي ،واعتبارا لتلك الأهمية التي تحضى بها الحركة ، وسدا للمنافسة فقد أقدم بورقيبة على وقف هذه المؤسسة التربوية واعتبارها رمزا من رموز التخلف الفكري للمجتمع التونسي ، الأمر الذي أدخل المساجد في عطالة حضارية ، توقفت فيها عن أداء مهمتها ، ليحل محلها رسالة بديلة عنوانها تمكين الفكر الغربي والإلحاق الحضاري

. وتم التضييق على الحركة الزيتونية من خلال حل جميع الأوقاف والأحباس الشرعية الموقوفة على جامع الزيتونة وطلابه وعلمائه، وعلى غيره من المساجد و المؤسسات الخيرية ومصادرتها و الاستلاء عليها ، و إصدار قانون المعروف بقانون المساجد يقضي بحظر الدروس و الإملاءات القرآنية.

وتأسيسا عمّ سلف فإن النخبة التونسية كانت توظف مسألة الهوية كآلية أخرى لبناء مبدأ الاستمرارية في الحكم ، حيث عمل بورقيبة على صناعة مجتمع يوافق توجهاته الإيديولوجية حتى وإن كلفه ذلك الدخول في صراع مع الأطراف المعارضة له .

4- تداعيات الإصلاحات الاقتصادية على المجتمع التونسي: نواصل دائما في التعرف على حركية المجتمع التونسي من خلال اقتراب النخبة، وكيفية توظيف هذه الأخيرة المجال الاقتصادي لاحتواء أو السيطرة على المجتمع التونسي. إذعلاوة على الشرعية التاريخية والقانونية التي على أساسها تمارس النخبة الحاكمة في تونس السلطة، نجد “د. صالح المازقي” أضاف أساس أخر له بعد اجتماعي واقتصادي ترتكز عليه السلطة على امتداد نصف قرن يتمثل فيما أسماه “بالعصبية الإتنو-مالية ” أي عصبية العرق والمال ، المتولدة عن تموضع ذوي النسب ومن والاهم من إطارات متحزبة على رأس مؤسسات الدولة ، المنحدرين من مدن وقرى الساحل التونسي ( مركز عصبية الحكم والسلطة ) مما أدى إلى تراكم الثروة القومية بين أيدي قلة من المتنفيذين على حساب باقي العصبيات المكونة للنسيج الاجتماعي . وإن هذا النموذج المستحدث من العصبية تسبب في إفقار وسط البلاد وجنوبها وغربها وشمالها الغربي مما ساهم في تنامي شعور أهاليها بالغبن وإحساسهم بالظلم ، وهو ما يتجلى في أزمة التوزيع وانعدام العدالة الاجتماعية وكذا استفحال ظاهرة الجهوية.

نصل في الأخير إلى أن حركية المجتمع التونسي خلال حقبتي حكم الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي أنها حركية مضبوطة بتوجه نخبوي، من خلال الاعتماد على عدة ميكانيزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية لأجل الحفاظ على كيانها وتأمين الاستمرارية لسلطتها ، كما أنها آلية من آليات الضبط الاجتماعي أوخط الدفاع لحفظ الكيان المجتمعي من الداخل ضد التهديدات المحتملة التي تتوقعها النخبة الحاكمة.

وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن “ميكرو فيزيائية” السلطة بتعبير ” فوكو” التي تشتغل حيث لا تكون مرئية ولا مضبوطة ، تعمل على جدولة أفرادها ومراقبتهم في أدق تفاصيل الحياة سواء أثناء عملهم أو راحتهم ،… أي أنها سلطة انضباطية وهي من يخلق الهوة بين المركز والهامش ويسهر على إقامة التضاد ما بين الطرفين صيانة لمشروعيتها وضمانا لاستمرارية منطقها الاستحواذي.

بالإضافة إلى أن صاحب السلطة حتى يحصل له انصياع ورضوخ المجتمع يلجأ إلى عدة أساليب قهرية وردعية لعلاج أي تمرد مرتقب ،  فالدور الذي يؤديه البوليس و وسائل التعذيب والإعدام ، والجو الخانق للمخبرين الرسميين وغير الرسميين ، كلها أدوات لأجل التدمير الإجباري لخيال المجتمع الباحث عن الحرية ،وإن هذا يكشف عن ضعف وهشاشة الدولة التي تتفنن في قهر مواطنيها جسديا ومعنويا ، فيتمسكوا بقوة المظاهر التي تحافظ على بؤسهم الداخلي ، وهو ما أسماه الكاتب” بدر خضر ” بالسعادة الإجبارية ، بالرغم من أن “جنرال الرعب” يسكن صدره ويفقده ذهنه ومرونته ، وحرية حركته وتحليله النقدي،…ومن ثم فالسلطة تحددت في المجال السياسي التونسي على أنها بنية علاقات القوة داخل المجتمع ككل ، وهي تعمل على توسيع علاقات التأثير بين الأفراد والجماعات وجعل الآخرين يخضعون بواسطة أوامر و تطبيق قواعد أو استعمال طرق إغراء … ومن ثم تشكيل المجتمع وفق قاعدة قيمية محددة  ،حيث عملت السلطة من خلال جهاز الدولة على احتكار هذا الحقل الإيديولوجي بملئه بالرموز التي سعت إلى تسويغها وترويجها حتى تضمن بذلك اندماج  وتعبئة الشعب التونسي.

وقد نبهنا علماء الاجتماع  بأن كل تشكل وراءه  قوة دافعة تعمل بشكل تفضيلي وتمييزي تحد من عمل خيارات أخرى ، كما أن سلوكيات الأفراد و أرائهم مرتبطة بالبنيات التي ينضون تحتها ، وهكذا فإن علاقات السلطة أو وظيفتها في المجتمع تشمل سلطة تحديد عمليات القرار للتنشئة الاجتماعية وبالتالي سلطة إنتاج الواقع، هذا الواقع هو ما انكبت السلطة التونسية على إرسائه من خلال صياغة قيم رمزية جسدتها في كل نشاطات الدولة الثقافية الاقتصادية والسياسية مستهدفة من ذلك تقوية جهاز الدولة ، وضبط الحراك الاجتماعي والسياسي .

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى