الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع في الجزائر

اعداد : د. لقرع بن علي، أستاذ العلوم السياسية، جامعة مستغانم (الجزائر)

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

تشهد الجزائر حراكا احتجاجيا متناميا من طرف مختلف الفئات الشعبية للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية أو تحسين الظروف المهنية بالنسبة للمهنيين والموظفين والعمال. وقد امتد هذا الحراك إلى فئة الطلبة الجامعيين، ولم يعد يقتصر على منطقة معينة أو فئة محدودة مثلما كان في الماضي، فالاحتجاجات الشعبية في الجزائر تشهد تزايدا مستمرا حيث تتراوح ما بين من 12 ألف إلى 14 ألف احتجاج سنويا. وعلى الرغم من غلبة المطالب الاجتماعية والمهنية على هذه الاحتجاجات مثل رفع الأجور، السكن…الخ، وابتعادها عن المطالب السياسية إلاّ أنها أصبحت ظاهرة مجتمعية تعبّر عن رفضي شعبي للسياسات العامة المنتهجة. وهي تعبّر كذلك عن الفشل التنموي للدولة، فعلى الرغم من المبالغ المالية الضخمة التي أنفقت منذ بداية الألفية الثالثة إلاّ أن الجزائر لم تتمكن من تحقيق الإقلاع الاقتصادي.

إن المبالغ الضخمة من العملة الصعبة التي أنفقت منذ سنة 2000 في انجاز المشاريع السكنية والتعليمية ومشاريع البنية التحتية، لم يقابلها تطور اقتصادي ملموس. فالاقتصاد الجزائري مازال اقتصادا ريعيا يعتمد بصفة كلية على النفط، ومازالت أزمة السكن موجودة في الواقع، ومازالت ظاهرة البطالة منتشرة في أوساط الشباب الجامعيين، ومازالت مظاهر الفقر تمس شريحة واسعة من المواطنين. ولهذا، فإن الفشل التنموي المتزامن مع الإنفاق المالي الضخم أثار غضبا واستياء شعبيا جعل المواطنين الجزائريين يتساءلون عن مصير أموال البترول. فالمواطنون يشعرون أن هذا الإنفاق الضخم لم ينعكس إيجابا على ظروفهم المعيشية، ولم يحقق لهم جودة الحياة، ويشعرون في نفس الوقت بغياب دولة قوية تضمن لهم العدالة الاجتماعية، وتوفر لهم سيادة القانون التي تحميهم من الفساد الإداري وطغيان البيروقراطية.

الاحتجاج دلالة على يأس المواطن من السياسة:

إن تنامي الاحتجاجات الشعبية ليس وليد الصدفة وإنما هو يعبر عن يأس لدى المواطن الذي لم يعد يرضى بالواقع الذي يعيشه، حيث لم يعد يقتنع بتبريرات السلطة واختفائها في كل مرة وراء غطاء الأمن والمؤامرات الخارجية. إن هذا اليأس هو ناتج عن ضعف المؤسسات السياسية والإدارية من حيث الأداء التنموي، فالحكومة وأجهزتها البيروقراطية لم تعد لها القدرة على الاستجابة لمطالب المجتمع، ولم تعد لها القدرة على شراء السلم الاجتماعي لاسيما بعد انخفاض أسعار البترول التي انعكست سلبا على المداخيل المالية للدولة. وبحكم أن المنطق يقتضي أن الفشل يقتضي تغيير الهيئات وتغيير المسؤولين الذين تسببوا فيه بواسطة الانتخابات الحرة والنزيهة إلاّ أن المواطن الجزائري اقتنع بأن الانتخابات لا تمكّنه من محاسبة المسؤولين ولا تمكّنه من تغييرهم. لهذا اختار أسلوبا آخر للتعبير عن مطالبه هو أسلوب الاحتجاج في الشارع، وفي نفس الوقت اختار التركيز على المطالب ذات الطابع الاجتماعي والمهني والابتعاد عن المطالب السياسية. كما أنه يرفض استغلال احتجاجاته من قبل التيارات السياسية والحزبية. إنه سلوك يشير إلى يأس المواطن الجزائري من الإصلاح وما تطرحه السلطة من حلول مؤقتة، لكنه في المقابل يعبّر عن وعي بدأ يظهر لدى المواطن الجزائري الذي أصبح يبحث عن الانجاز وليس عن الايدولوجيا والعقائد، وهو يبحث عن جودة الخدمات وجودة الحياة التي لا يمكن أن تتحقق إلاّ بجودة الحكم والإدارة الراشدة للشؤون العامة.

السلطة تخاف من المجتمع:

لقد عملت السلطة الحاكمة في الجزائر بأجهزتها الأمنية والبيروقراطية على تصحير الدولة من النخب السياسية والحزبية، وإفراغ مؤسسات الدولة من بعدها الوظيفي وتحويلها إلى أجهزة تنفذ برنامج رئيس الجمهورية فقط. في هذا السياق، قامت السلطة بتكسير وإضعاف الأحزاب السياسية من خلال إثارة الصراعات والانشقاقات داخلها مما أفرز تعددية حزبية مشوهة تفتقد للبعد التنافسي. وقامت كذلك باختراق منظمات المجتمع المدني التي تحوّلت إلى مجرد لجان مساندة لرئيس الجمهورية مقابل الاستفادة من بعض الامتيازات الريعية. وفي نفس الوقت، عملت السلطة الحاكمة على إضعاف البرلمان الذي تحوّل مع مرور السنوات إلى غرفة تسجيل للقوانين عوض أن يكون سلطة تشريعية تراقب عمل الحكومة ومحاسبتها.

من جهة أخرى، ينبغي القول أن الأسلوب الذي تنظّم به الانتخابات في الجزائر وعدم احترام الإرادة الشعبية أوجد مجالس محلية وسلطة تشريعية فاقدة للشرعية وللبعد التمثيلي، بمعنى أنها لا تمثل المواطنين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية والطبقية والاجتماعية. إن الانتخابات في الجزائر ليس لها معنى، فهي لا تمكّن المواطنين من الاختيار الحر للبرامج وممثليهم، وهي لا تمكّنهم كذلك من ممارسة حقهم في الرقابة والمساءلة عند نهاية العهد الرئاسية أو التشريعية أو المحلية، والاخطر من ذلك كله أن الانتخابات أصبحت جزءا من الأزمة في حد ذاتها.

إن إصرار السلطة على إضعاف الأحزاب السياسية وتخوينها وإضعاف المجتمع المدني واختراق تنظيماته مع الإصرار على تزوير العملية الانتخابية هو الذي أنتج حالة من التصحر السياسي والمؤسساتي في الجزائر. وفي المقابل، كرّست هذه السلطة بمسؤوليها على المستويين المركزي والمحلي ثقافة الاحتجاج والعنف لدى المواطن، وذلك بإقصاء المواطن وتهميشه وقمعه عندما يطالب سلميا بحقوقه.

ما يثير الانتباه في الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الجزائر هو السلوك المزدوج الذي اعتمدته السلطة الحاكمة في مواجهتها، فقبل انخفاض أسعار البترول كانت تعتمد على استخدام أموال الريع النفطي في شراء السلم الاجتماعي وإسكات الاحتجاجات وفي نفس الوقت تمارس القمع باستخدام أجهزة الأمن والتضييق الإعلامي. لكن بعد انخفاض أسعار البترول التي أدت إلى انخفاض احتياطي الصرف، وجدت السلطة نفسها في مأزق كبير حيث لم تعد قادرة على إسكات الاحتجاجات الشعبية بواسطة الريع النفطي مكتفية بتوظيف الأجهزة الأمنية في قمع الاحتجاجات، وهذا ما لوحظ أثناء احتجاجات طلبة الصيدلة في العاصمة الجزائرية خلال شهر فيفري المنقضي.

إن السلطة الحاكمة في الجزائر تعيش حالة خوف من المجتمع ناتجة عن ضعف شرعيتها، بحيث لم تعد تملك انجازا تنمويا أو اقتصاديا أو سياسيا تقدمه للمجتمع، فالانجاز الوحيد الذي ظلّت تتغنى به هو المصالحة الوطنية التي ساهمت في إعادة الاستقرار والأمن للبلاد بعد سنوات العنف خلال التسعينيات. ونتيجة لذلك قامت السلطة بتوظيف المصالحة الوطنية كمصدر جديد للشرعية مثلما وظفت هاجس الأمن كوسيلة لتخويف المجتمع ومساومته. لكن مع مرور السنوات ظهرت أجيال جديدة في المجتمع لم تعد تقتنع بخطاب الأمن والمصالحة الوطنية، ليس لأنها غير واعية بقيمة الأمن وإنما لعدم وجود علاقة مباشرة بينها وبين سنوات التسعينيات. فهذه الأجيال مطالبها تتجاوز الأمن والاستقرار، وتريد تنمية حقيقية ومستدامة تضمن لها مستقبلها.

أزمة الثقة والاحتجاج العنفي:

إن الاحتجاجات الشعبية المتنامية في الجزائر تعبّر عن فراغ سياسي ومؤسساتي كبير بين المجتمع والدولة، مع العلم أن الجزائر فيها أكثر من 60 حزب سياسي وأكثر من 91 ألف جمعية تشكل في مجموعها المجتمع المدني. وهذا يعني أن الجزائر تعاني من تضخم كبير في عدد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني مقابل ضعف الفعالية والأداء، فهي موجودة شكلا لكنها غائبة وظيفيا.

ولهذا، فإن السلوك العنفي الذي يميّز الاحتجاجات الشعبية في الجزائر هو نتيجة منطقية لغياب الآليات المؤسساتية (الفعلية وليس الشكلية) التي تمكّن المواطن من التعبير عن مطالبه، وتوصيل انشغالاته لصانع القرار. فالشباب المتظاهرين في الشوارع، لو وجدوا انتخابات نزيهة وشفافة تمكنهم من الاختيار الحر ومن محاسبة المسؤولين الفاشلين لما قاموا باحتجاجات عنفية. ولو وجدوا عدالة مستقلة وسيادة القانون على الجميع بدون استثناء لما استعمل أسلوب العنف لاسترجاع حقوقهم.

من جانب آخر، تعبّر الاحتجاجات الشعبية عن محدودية الإصلاحات السياسية التي جرى تطبيقها منذ سنة 2011 لمنع المد الثوري العربي من دخول الجزائر. هذه الإصلاحات التي كان مأمولا منها أن تؤدي إلى حل مسألة شرعية السلطة والتداول عليها، وأن تساهم في توسيع المشاركة السياسية، وأن تؤدي إلى عدالة في توزيع الثروة والامتيازات. كما فشلت تلك الإصلاحات في إعادة الفعالية لأداء المؤسسات السياسية والإدارية للدولة على المستويين المركزي والمحلي، وفي نفس الوقت لم يرافقها برنامج للإصلاح الاقتصادي بهدف الخروج من اقتصاد الريع النفطي وبناء اقتصاد إنتاجي يضمن تنويع الصادرات والإيرادات المالية للدولة. وهكذا، ساهمت الإصلاحات السياسية في إعادة إنتاج نفس الوضع السياسي والاقتصادي المأزوم الذي تفاقم أكثر بانخفاض أسعار النفط إلى مستويات دنيا في الأسواق الدولية.

بناء على ما سبق ذكره، فإن السلطة الحاكمة اليوم مطالبة بإعادة الاعتبار للمجتمع المدني ليكون قوة مبادرة واقتراح وقوة مساءلة تجاه الحكومة، وأن تعمل على تقوية الأحزاب السياسية للوصول إلى تعددية حزبية تنافسية. فهذه المكونات هي التي تملأ الفراغ بين السلطة والمواطن. ويجب عليها كذلك أن تقوم ببناء سلطة قضائية مستقلة تكرّس العدالة في المجتمع، ولديها القدرة على فرض سلطان القانون على الجميع بدون استثناء. عدالة تنتصر للضعيف من القوي، وتحمي المال العام من النهب. وقبل كل ذلك، يجب على السلطة الحاكمة أن تلتزم بتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة تكرس التنافسية بين التيارات السياسية على أساس البرامج والأفكار.

إن فعلت السلطة ذلك، فإن اليأس الموجود لدى المواطن سيتحوّل إلى أمل جديد في الحياة، فكل مواطن سيشعر بانتمائه الفعلي للوطن وسيحس بالمسؤولية تجاه وطنه. وفي هذه الحالة ستعود الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع في الجزائر.

Rate this post

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى