fbpx
الشرق الأوسطعاجل

آثار سياسات الخصخصة في موريتانيا

اعداد: الشيخ يب أعليات – باحث موريتاني في مجال العلوم السياسية و العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

بالنظر إلى مفهوم الخصخصة أو “الخوصصة”  نلاحظ بأنه  يتمثل في تحرير الاقتصاد من العوائق البيروقراطية التي تؤثر على حركة عوامل الإنتاج، وتقليص دور النشاط الاقتصادي العام، والعمل بآليات اقتصاد السوق مع إعادة النظر في القوانين والتشريعات التي تؤثر على الحركة الاقتصادية، وصياغتها بشكل يساعد على تحرير النشاط الاقتصادي من الظواهر المعيقة و المشاكل المصاحبة له.
لكن ما حدث منها في موريتانيا كان مغايرا تماما حيث كان تبني الدولة الموريتانية لسياسة الخصخصة نتيجة لضغوط خارجية وشروط أملتها المؤسسات  الاقتصادية الدولية وعلى وجه التحديد صندوق النقد والبنك الدوليين ؛ ولذا فقد كانت استجابة لمتطلبات دولية أكثر مما كانت علاجا لمشاكل داخلية، لذا يمكننا أن نفسر لجوء الدولة إلى هذه العملية بسعيها إلى خلق قطاع خاص وإنشائه من عدم، فلم يكن دافعها الحقيقي هو حل المشاكل الاقتصادية التي تواجه القطاع العام وميزانية الدولة.
و هكذا تبنت الدولة الموريتانية سياسة الخصخصة سنة 1984، و اتخذت في سبيل إنجاحها بعض الاجراءات وتبنت بعض الآليات التي نفذت بواسطتها هذه السياسة التي شملت عددا من القطاعات الاقتصادية التي تشكل أهمية خاصة في مجال الاقتصاد الموريتاني مثل الزراعة و التعليم والصحة والمعادن والثروة البحرية؛ كما مست عددا من الشركات والمؤسسات العمومية….

كان لهذه السياسة التي تبنتها الدولة الموريتانية عددا من النتائج السلبية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، سنوضحها في النقاط التالية:

1 ـ انعكاسات سياسة الخوصصة على السلطة:

من النتائج التي كانت تسعى إليها الدولة عند تبنيها هذه السياسة تخفيف النفقات العمومية والحد من العجز التجاري والعجز في ميزانية الدولة، لكن هذه النتائج المعلنة لم يتم التوصل إلى أي منها حتى الآن.

وقد كان مما ميز هذه السياسة في موريتانيا هو أنها سعت إلى خلق قطاع خاص من لاشيء ليقوى مع الوقت حتى يصبح فاعلا في المشهد السياسي بل صار الفاعل الأساسي في كل ما يجري في البلاد. وهكذا وفي منتصف الثمانينيات ظهرت، كنتيجة للخوصصة، طبقة من رجال الأعمال المرتبطين عضويا (قبليا وجهويا) بالقادة السياسيين والعسكريين والداعمين اقتصاديا لهم، وقد تم إدخال هذه الطبقة في الاقتصاد الوطني على أسس الولاء والصلات التقليدية مما جعل الدولة تتحول في عيون مواطنيها إلى دولة زبونية.

وقد قامت السلطة، في بدء تنفيذها لهذه السياسة، ببيع المؤسسات العمومية بأسعار زهيدة لمقربين منها  ، بل إن هنالك شركات تابعة للدولة بيعت بما يقارب ربع ثمنها الحقيقي. كما سهلت لهم (أي للتجار المقربين قبليا من الرئيس والثلة الحاكمة معه) إجراءات إنشاء البنوك وأعفتهم من الضرائب في حين قامت بضرب رجال أعمال أخرين  لكونهم من جهات أو قبائل مختلفة أو لكونهم لم يدعموا الحكومة.

وقد أوضحت الأنتروبولوجية الفرنسية والمختصة في مجتمعات شمال إفريقيا وغربها : سيلين لزور Céline Lesourd أن ميلاد طبقة البورجوازية الموريتانية يعود إلى سنة  1984 و 1985 في نفس الوقت الذي تم فيه تبني سياسة الخوصصة من قبل النظام الحاكم آنذاك، فخلقت الدولة رجال أعمال ( ونساء أعمال) تابعين لها دون أن تترك المنافسة حرة بين مختلف التجار وقدمت خدمات وتسهيلات خارج الإطار القانوني لأشخاص بعينهم حتى يصعدوا في السلم الإقتصادي والاجتماعي على حساب آخرين، وهو ما يتناقض كليا مع منطق الحرية التجارية واقتصاد السوق وتساوي الفرص وعدم تدخل الدولة.
كل ذلك أدى إلى ظهور طبقة جديدة من التجار الذين تتأتى مداخيلهم وأرباحهم بالدرجة الأولى من موارد الدولة وليس من تجارتهم الخاصة والذين يستفيدون من الدولة أكثر من أي شخص آخر في مقابل ولائهم للسلطة الحاكمة، وقد تعاظم شأن هؤلاء التجار في الآونة الأخيرة حتى أصبحوا يتخذون القرارات السيادية رغم أن لا صفة سياسية لهم وأصبحوا يتحركون وكأنهم هم الدولة الحقيقية في حين أن الدولة القانونية لم تعد سوى واجهة لعملهم ينسقون من خلالها مع القوى الاجتماعية الأخرى( مشيخة القبائل ورجال الدين والعسكريين) والذين باتوا في درجة تابعة لهؤلاء التجار.
كما كان لهذه السياسة أثر كبير على الحياة الاجتماعية داخل المجتمع .

2 ـ انعكاسات الخوصصة على المجتمع

إضافة إلى ما سبق وأن ذكرنا، فقد كان لهذه السياسة عديد الآثار السلبية على المجتمع الموريتاني، وعكسا لما كان يرجى منها فقد ضاعفت سياسة الخوصصة من نسب البطالة ولم تؤد إلى تحسين الخدمات كما أن معدلات الفقر ازدادت خصوصا في المناطق الداخلية من البلاد. فبلغت نسبة البطالة 33% من القوي العاملة، 95% منها من الشباب.في حين أن 5000 من العاطلين هم من حملة الشهادات العليا حوالي 1000 منهم من حملة الماجستير و الدكتوراه-حسب إحصائيات 2013.

وإذا كانت الخوصصة غالبا ما يتم تبريرها بأنها ستحد من الفقر وتحول الفقراء إلى طبقة وسطى جاعلة أغلب المواطنين يعيشون كطبقة وسطى (أي ما يسميه علماء الاجتماع أوسطة الطبقات الاجتماعية: جعلها طبقة وسطى Moyennisation de la société )، فإن ما وقع في موريتانيا هو العكس تماما حيث تم القضاء –نسبيا- على الطبقة الوسطى التي تحولت إلى فقراء مملقين، فحسب إحصائيات 2006 هنالك 47% على 2 دولار يوميا، كما أن 25% من السكان يعيشون فقرا مدقعا- حسب إحصائيات 2011.

كما تم إضعاف البيروقراطية العاملة للدولة (أو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: اليد اليسرى للدولة La main gauche de l’Etat أي القضاة والأساتذة …إلخ) وتم إخضاعهم لرجال الأعمال الذين أصبحوا الطبقة العليا في المجتمع.

وفي مجال التعليم -مثلا-  تميزت السنوات الأخيرة بتدني مستويات التعليم فتم تكوين جيل ضعيف المهارات بعيد من سوق العمل لا يتقن أي لغة –كما جاء في تقرير الأيام التشاورية التي نظمتها وزارة التعليم 2010- وانخفض مستوى النجاح في الباكلوريا –سنة 2014- إلى 4% بسبب خصخصة قطاع التعليم وانتشار العقلية التجارية داخله، ووصل معدل الأمية في موريتانيا أرقاما قياسية حيث43% من السكان يقعون في هذه الخانة.

أما في مجال الصحة فقد انتشرت الأدوية المزورة على قطاع واسع وفقد المواطن ثقته في المستشفيات والمصحات الوطنية وأصبح المرضى الموريتانيون – القادرون- يتداوون في فرنسا والدول المجاورة، كما أن عددا هاما من الأمراض الخطيرة والتي تم القضاء عليها في عدد من الدول المجاورة لم يتم التغلب عليها حتى الآن، مما يرفع معدل الوفيات في موريتانيا فمتوسط العمر في موريتانيا هو 51.24 سنة للذكور و55.85 سنة للإناث بينما يصل في المغرب 69.1 للذكور و74 للإناث.

وعلى الصعيد المؤسسي هنالك تداخل قوي وتشابك وثيق بين التجار والطبقة الحاكمة حيث أن أغلب رجال الأعمال كانوا في يوم من الأيام وزراء أو رؤساء أو هم الآن كذلك، كما أن أغلب السياسيين والقادة يسعون إلى إن يكونوا تجارا مرموقين.

كل ذلك تسبب في المشاكل الاجتماعية والعرقية التي تواجهها موريتانيا منذ 1986، بدءا بمحاولة انقلاب نظمها ضباط من الأقلية الزنجية التي لا تتحدث اللغة العربية وصولا إلى الإعدامات في صفوف هؤلاء وتسريح عدد هام من موظفيهم 1989و 1990، وهي الأزمة الكبيرة التي لا تزال آثارها واضحة وملموسة حتى اليوم .

أضف إلى ذلك الصيحات الاجتماعية التي يطلقها عدد من قادة شريحة الحراطين ” العبيد السابقين ” والذين يعانون تهميشا قويا، كل ذلك سببته أو زادت من حدته- حسب رأينا- هذه السياسة التي تم فرضها من الخارج والتي لم تكن في الحقيقة عادلة ولا ناجعة بالشكل المطلوب.

قائمة المراجع   :

-ـ ولد أعمر (محمد)، تجربة الخوصصة و الإصلاح الاقتصادي في موريتانيا،مجلة العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، العدد4،   2005

-ـ العلوي (الحسين)، الحصاد المر: سلسلة مقالة صحفية تشرت بموقع “أقلام حرة” ديسمبر 2013

-مركز الصحراء، التقرير الاستيراتيجي الشهري، أكتوبر 2012

– عمر ولد مولاي إدريس، الفقر ومؤشراته في موريتانيا، السبت, 23 أبريل 2011.

ـ  مدونة الباحث و الأكاديمي الموريتاني أحمد ولد نافع   http://ahmedonava.blogspot.com/2008/03/blog-post_26.html

ـ  الاقتصاد الموريتاني من آمال الإصلاح إلى مآزق الفقر

-Marchesin (Philippe), Tribus, ethnies et pouvoir en Mauritanie, Paris, Karthala, 1992.

-Lesourd (Cécile), Au bonheur des Dames. Femmes d’affaires mauritaniennes de nos jours,thèse, 2006.

– Mamoudou Lamine Kane, Mauritanie 1984/2012 : On prend les mêmes et on recommence, Mercredi, 19 Décembre 2012, KASSATAYA.com

-UFP, La flambée des prix : Causes réelles et propositions, samedi 5 mars 2011, le site du parti.

– Programme des Nations Unies pour l’Environnement, Evaluation de l’impact de

la libéralisation du commerce : Une étude de cas sur le secteur des pêches de la République Islamique de Mauritanie

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى