الشرق الأوسطعاجل

تسويق لأزمة أم تراجع الدبلوماسية الجزائرية

اعداد : سامية بن يحي – ماستر ادارة دولية – الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

 

” ان لم يكن لك عدو عليك أن تصنع عدوا”  .انطلاقا من هذه العبارة المكيافيلية فسرت المغرب حقيقة التصريحات والاتهامات  الأخيرة التي أطلقها وزير الخارجية الجزائرية عبد القادر مساهل في لقاء رسمي لمنتدى الاقتصاديين الجزائريين مفادها أن البنوك المغربية تقوم بتبيض أموال الحشيش في افريقيا وأن الخطوط الجوية المغربية تنقل المخدرات مما أجج التوتر في العلاقات السياسية بين البلدين و خلق أزمة دبلوماسية جديدة .

  • لماذا هذا الهجوم اللفظي كما وصفته المغرب في هذا الوقت وهل هو متعمد؟

قوبلت تصريحات عبد القادر مساهل باستنكار الجبهة الداخلية الجزائرية واعتبرتها ردة فعل على ضغوطات رجال الأعمال الجزائريين حول الوضع الاقتصادي المتأزم والاستثمارات المحدودة في الجزائر مقارنة بالمغرب و خطأ غير مقبول يؤثر على الدبلوماسية الجزائرية العقلانية ، في حين  وصفتها المغرب بالاستفزازية ، والصبيانية ولا أساس لها من الصحة وغير مسؤولة كما أنها غير  طبيعية بين الدول ، قامت على إثرها  باستدعاء سفيرها بالجزائر وقاطعت اللقاء الجهوي حول الارهاب رغم ترأسها المنتدى الدولي لمحاربة الارهاب .

وقد اعتبرت المغرب أن اتهامات مساهل تمثل انزعاج الجزائر من انجازات المغرب الاقتصادية ، والاستثمارية ومحاولة لخلق عدو وهمي من أجل تهدئة الجبهة الداخلية، وصرف الأنظار عن المشاكل التي تعاني منها الجزائر.

فهل تسعى الجزائر فعلا الى تصدير أزمتها الداخلية الى المغرب؟

كلما تجددت آمال التقارب المغربي الجزائري واتجهت العلاقات نحو الانفراج سرعان ماتعود إلى نقطة الصفر ويتبين ذلك من خلال  أهم المحطات التاريخية التي  شهدتها  العلاقات بين البلدين  ، فمن مشاكل الحدود بعد الاستقلال وحرب الرمال 1963 الى قضية الصحراء الغربية 1973 ثم  فشل مشروع اتحاد مغاربي سنة  1983 بسبب الخلافات المستمرة بين البلدين والصراع حول الزعامة  الاقليمية  والسباق نحو التسلح لم يفعل الاتحاد وبقي مجرد هيكل بلا روح ، ثم غلق الحدود منذ عام  1994 . ليبقى الخلاف بين البلدين مستمرا بنظرة غير متفائلة في ايجاد حل لأطول نزاع بين الأشقاء .

اذن يمكن تحديد أسباب هذا العداء في عوامل داخلية تتعلق بالحدود التي رسمها الاستعمار وخارجية تتجلى في قضية الصحراء الغربية وموقف الجزائر اتجاه حق الشعوب في تقرير المصير في حين يراها المغرب تدخلا في الشؤون الداخلية لبلده ناهيك عن وجود أطراف من مصلحتها خاصة فرنسا أن يستمر هذا الخلاف لعرقلة جهود الوحدة المغاربية ، وتبقى المنطقة سوقا أوروبية بامتياز.

الوضع الاقتصادي للبلدين

حسب صندوق النقد الدولي يشهد اقتصاد المغرب نموا يصل إلى 4.8 ℅ خلال سنة 2017 وهو أعلى معدل في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ، فيما يتوقع ارتفاع الاحتياط النقدي خلال السنوات القادمة إلى 10 بلايين دولار و   42 مليار دولار بحلول سنة 2021 .

حققت المغرب قفزة في الاستثمارات خاصة في قطاع الطاقات المتجددة وفتح الأسواق فعملت على بناء محطة للطاقة الشمسية في 2013 من أجل توفير الطاقة وتقليص الواردات .تمكنها من انتاج 2000 ميغاواط من الكهرباء بحلول سنة 2020  وأطلقت العديد من المشاريع منها مشروع  المغرب الأخضر  ومخطط أليوتيس لتحقيق تنمية مستدامة في قطاع الصيد البحري ، ورفع الناتج الداخلي بـ : 3 أضعاف عند حلول سنة 2020 .

وحسب تقرير التوقعات الاقتصادية في افريقيا الذي صدر في 22 أوت 2017 بشراكة البنك الإفريقي للتنمية ، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يفيد أن المغرب يشهد نموا اقتصاديا رغم المشاكل التي يعانيها اذ يعد ثاني مستثمر في إفريقيا وحسب دراسة بحثية  أمريكية تقر أن المغرب سيصبح قوة اقتصادية سنة 2020 خاصة في توفير الغذاء.

ويعد القطاع الفلاحي في المغرب رقما مهما اذ تمثل الزراعة خمس صادرات المغرب ، كما أنه يعتبر أول وجهة سياحية افريقية حيث ارتفع حجم الاستثمارات  السياحية ويتوقع أن تصل إلى 20 مليون سائح بحلول سنة 2020 .

كما يتوقع أن تبلغ صادرات المغرب في قطاع صناعة السيارات 10.2 مليار دولار سنويا بحلول سنة 2020 أيضا .

في حين تعاني الجزائر من أزمة اقتصادية منذ 3 سنوات بعد انخفاض أسعار النفط وزادت حدتها خلال سنة 2017 وصل بها الأمر الى خفض قيمة الدينار الجزائري وطبع الأوراق النقدية وأصبحت الوضعية الاقتصادية في الجزائر حسب الخبراء الاقتصاديين تمر بمنعرج خطير ويتوقع انهيار الاقتصاد الجزائري بحلول سنة 2019 اذا لم يتم تفعيل استراتيجية اقتصادية رشيدة وإيجاد بدائل أخرى خارج قطاع المحروقات  لإنعاش الاقتصاد الجزائري ، حيث تمثل عائدات النفط 97 ℅ من صادرات الدولة وبلغ الاحتياطي الأجنبي 120 مليار دولا سنة 2016  وتعالت التحذيرات بشأن نضوب الخزينة العامة في سنة 2019 . كما بلغ عجز الميزانية  13.6 ℅ في الناتج المحلي الخام خلال سنة 2016 .

تواجه الجزائر  اليوم أكبر أزمة اقتصادية جعلتها تخفض من قيمة الدينار بنسبة 30 ℅وطبع  أوراق نقد نحو20 مليار دولار حسب ميزانية 2018 . حددت المدة بـ 5 سنوات كما صرح الوزير الأول للحكومة الجزائرية أحمد أويحي .

اذا اعتمدنا الوضع الاقتصادي بين البلدين  كتفسير حقيقي لدوافع تصريحات عبد القادر مساهل ومجرد امتعاض ورد فعل على مقارنة اقتصاد الجزائر بنظيره المغربي  فكيف نفسر ما ورد في التقرير الأخير الذي قدمته الخارجية الأمريكية الذي أكد أن انتاج الحشيش في  المغرب بلغ  23 ℅ من الناتج الداخلي الخام للبلد ، والتقرير الصادر عن الأمم المتحدة أن المغرب أكبر منتج للقنب الهندي سنة 2017 وهو أول مصدر في أوروبا حسب تقرير المرصد الأوروبي للإدمان والمخدرات ؟

عودة المغرب للاتحاد الافريقي وخلط الأوراق السياسية قبل القمة المرتقبة

يرى المحللين أن هناك دوافع أخرى تتعلق بقضية الصحراء الغربية وحرص الجزائر على دعم جبهة البوليساريو لحضور مؤتمر القمة الافريقية للاتحاد الافريقي المزمع عقده في 29 – 30 نوفمبر 2017  بعد العودة الرسمية للمغرب اليه وأنها محاولة من الجزائر لإفشال مساعي المغرب في منع  جبهة البوليساريو من حضور القمة  والتي تعتبر عضوا في المنظمة الافريقية .

هذا وقد لاقت عودة المغرب للاتحاد الافريقي ترحابا افريقيا  كبيرا واعتبر بمثابة خطوة جد ايجابية  لتعزيز جهود المنظمة الافريقية والتعاون الافريقي على الصعيد الأمني والاقتصادي.

لذلك استغرب رؤساء البعثات الإفريقية اتهامات وزير الخارجية الجزائرية عبد القادر مساهل ووصف نيماغا اسماعيلا عميد السلك الدبلوماسي الإفريقي الهجوم اللفظي على المغرب بالإهانة في حين اعتبره جويل رويت رئيس مجلس البحوث الدولي تبخيسا للحكامة على مستوى القارة الإفريقية برمتها ، والتي تعد اليوم جزء من نسق الحكامة العالمية واعتبر التصريحات مبطنة .

مهما قيل عن حقيقة اتهامات عبد القادر مساهل تبقى مثل هذه التصريحات لا تعكس إرادة الدولتين في بناء علاقات متينة  لأنها تزيد من عمق الخلاف بين البلدين الشقيقين ، وترهن مستقبل أي محاولات للتقارب  بينهما وتفعيل الوحدة المغاربية  الحلم الذي راود الشعوب المغاربية منذ زمن  التي مازالت تؤكد وتردد ” نحن اخوة وشعب واحد “

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى