الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

هل تكون المبادرة الصينية حلا لأزمة الروهينجيا ؟

اعداد : نور عطية عبدالسلام الحضيري – باحث مصري متخصص في الشؤون الصينية والاسيوية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يستدعي أي حديث عن الواقع السياسي في ميانمار اليوم إلي الاذهان الاستهداف والاضهاد المنهجي الذي يتعرض له مسلمي الروهينجيا بشكل ممنهج ومستمر!

يتابع كثيرون منذ 2012 ما يواجهه مسلمي الروهينجيا من إبادات وتطهير عرقي تقوم به السلطات المحلية بمساعدة جماعات بوذية متطرفة،لكن ما لا يعلمه كثيرون بأنها قديمة هي معاناة مسلمي إقليم أراكان ،قدم تاريخ ميانمار مابعد الاحتلال البريطاني،فميانمار التي استقلت باسم بورما في العام 1948بعد 11 عاما من المقاومة ضد الاحتلال-شارك فيها مواطني اراكان بجهود كبيرة ،أتي الاستقلال بحكم شيوعي تلاه حكم عسكري استمر 49 عاما حتي نتهي في العام 2011،قبل نشأة نظام المجلس الرئاسي الحالي،رغم تعاقب أنظمة الحكم المختلفة الا أن الثابت الوحيد في هذه المراحل هو إضهاد مسلمي إقليم أراكان،هذا العنف زدادت وتيرته بشكل غير مسبوق بعد عام من تولي حكومة رئيسميانمار “ثين سين” في 2011 حتي وصل هذا الاضطهاد حد التطهير العرقي العلني من الدولة !

فالحكومة الميانمارية تعتبر مسلمي الروهينجيا دخلاء ولا تعتبرهم عرقية أصيلة في البلاد،حيث تمنحهم بطاقات خضراء بدلا من الهوية التي منعوا من اقتنائها منذ فرض قانون المواطنة عام 1982 الذي بموجبه تم سحب الجنسية من مسلمي الروهينجيا!، هذه البطاقات تعني انهم ليسوا مواطنين ومن لا يحملها يكون مهددا بالطرد ويمنع من التنقل بين القري المجاورة والعمل وتجدد هذه البطاقة كل سنتين باجراءات معقدة،وتسعي الحكومه بهذه الخطوة الي نزع اعتراف من مسلمي اراكان بأنهم ليسوا مواطنين!

لم تتوقف اجراءات الاضهاد والتمميز هنا،بل تفرض عليهم قوانين من قبل منعهم من الزواج الا عبر تصريح من الدولة ومن يضبط متزوجا بدون هذا التصريح يعرضللسجن ودفع غرامة كبيرة،وقوانين اخري تحدد النسل وتمنع تعدد الزواج وتمنع زواج الارامل والمطلقات وغيرها الكثير،وهي بالطبع قوانين لا تطبق سوي علي مواطني الروهينجيا!

هذه المقدمة السابقة كانت ضرورية من أجل فهم طبيعة ما يجري هناك،ومدي ما تمثله مبادرة الصين من أهمية وفرصة قد لا تتكرر لانهاء هذا الارث التاريخي من المعاناة والتطهير العرقي الذي تتعرض له إقلية هي “الاقلية التي بلا أصدقاء” كما وصفتها المتحدثة بإسم الامم المتحدة لشؤون اللاجئين سابقا!

تأتي أهمية مبادرة الصين كونها هي المرة الاولي التي تطرح فيها الصين مثل هذه المبادرة خاصة وانه معروف عن الصين انها الحليف الابرز لنظام الحكم التسلطي في ميانمار ،وهي أحد أبرز شركائها التجاريين والعسكريين وهي التي منعت كثيرا من التحركات الدولية من قبل الامم المتحدة ومجلس الامن باتخاذ قرارات ضد ميانمار سابقا،هذا التأييد قائم علي تخوفات لدي النظام الصيني من تمدد المسلمين هناك خصوصا فيما يتعلق بمشكلة الإرهاب التي أصبحت تشكل خطرا يخشاه معظم دول العالم والصين في القلب منها،ولعل موقف الحكومة الصينية من المسلمين من مواطنيها ليست بعيدة تماما عن ما يحدث في ميانمار وان لم تصل لمثل هذا الحد بالتأكيد،

جاءت مبادرة الصين لحل أزمة مسلمي اراكان أمس الاثنين في مؤتمر صحفي عقده وزير الخارجيه الصيني وانغ يي مع رئيسة المجلس الرئاسي في ميانمار أونغ سان سوتشي علي هامش قمة وزراء خارجية اوروبا واسيا المنعقد في ميانمار حاليا،قال وانغ يي “أن بلاده تؤمن بإمكانية معالجة قضية الروهينجيا عبر الحوار بين البلدين”(ميانمار وبنجلاديش،بصفتها المستقبل الاكبر للمسلمين الفارين من هناك).

وتقوم المبادرة الصينية علي ثلاثة محاور :

*المرحلة الاولي :وقف تام لاطلاق النار بشكل يمهد للحد من حركة النزوح.

*المرحلة الثانية :إطلاق حوار ثنائي بين حكومتي ميانمار وبنجلاديش لحل الأزمة.

*المرحلة الثالثة :تناقش إيجاد تسوية طويلة الأمد.

وجاءت ردود الفعل علي هذه المبادرة إيجابية حتي الان ،إذ رحبت مفوضة السياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي فيدريكا موجريني إستعداد الاتحاد للمساعدة في بناء إتفاق بين الطرفين لمعالجة أزمة الروهينجيا،وكان وزير الخارجية الصيني قبل عقد المؤتمر الصحفي قادما من بنجلاديش حيث التقي الرئيس البنغالي وناقش معه أزمة مسلمي الروهينجيا،ووفق وسائل اعلام محلية فقد حث الرئيس البنغالي وزير خارجية الصين الضغط علي نظام ميانمار من أجل تسوية اوضاع مسلمي الروهينجيا،ومن المؤكد انه خلال هذا اللقاء قام وزير الخارجية الصيني بطرح المبادرة علي الرئيس البنغالي،وأتوقع أنه قد حصل علي موافقة مبدئية من بنجلاديش علي المشاركة في الحوار،ويتوقف مصير هذه المبادرة علي موقف الحكومة البورمية إيجايبا كان أو سلبيا!

وفق ما سبق هناك سؤالا هاما يطرح نفسه،يجب الاجابة عليه الا وهو ما مدي نجاح هذه المبادرة في إنهاء الأزمة؟ويرتبط به سؤال اخر ما هي التسويات التي قد تطرح للنقاش بين البلدين؟!

نجاح المبادرة كما سبق وأشرنا يرجع إلي قيام الصين بها،مما يضع احتمالا كبيرا بأن الصين ستمارس ضغوطات نسبية علي النظام البورمي حال رفضه،يضاف لذلك موقف الاتحاد الاوروبي المعلن حتي الان علي لسان مفوضة شؤون الهجرة والامن،وسيلاقي المقترح اجماعا من كل اطراف الحوار المنعقد حاليا بين وزراء خارجية اسيا واوروبا،وهو ما يقلل فرص الحكومه البورمية في التملص من هذا المقترح او رفضه،وعلي فرض موافقة بورما ستكون هناك خطوة اخري هي المسائل التي ستطرح للنقاش ومدي اتفاق كلا من بورما وبنجلاديش عليها.

بالنسبة لبورما فإنها تري أن مسلمي الروهينجيا مواطنون بنغاليون وليسوا عرقا اصيلا من ميانمار وبالتالي فهي تطالب بعودتهم الي بنجلاديش وان لم تصرح بذلك رسميا حتي الان،في المقابل فان بنجلاديش تستقبل مايزيد عن ثمانمائة الف لاجي منذ اغسطس الماضي بالاضافة الي اعداد اخري من سنوات سابقه،ورغم ان موقف الحكومه والشعب البنغاليين في التعامل مع اللاجئين يستحق الاشادة والتقدير،الا أن زيادة تدفق االاعداد يشكل عبئا اقتصاديا كبيرا علي هذا البلد المثقل باعباءه الاقتصادية اصلا،ومن شأن استمرار تدفق اللاجئين بهذا الشكل أن يشكل خطرا مزمنا علي الداخل البنغالي لا سيما من الناحية الامنية والاقتصادية وبالضرورة الاجتماعية ايضا.

من جهة أخري هناك خلافات وتصريحات اعلامية واتهامات متبادلة بين الجانبين كان اخرها يوم الخميس 2 نوفمبر 2017 علي لسان زاو هتاي المتحدث باسم زعيمة ميانمار اونج سان قائلا “ان بلاده مستعده للبدء في عملية اعادة اللاجئين في اي وقت علي اساس بنود اتفاق بشأن عودة الروهينجيا الي ميانمار تم التوصل اليه في اوائل التسعنيات،واضاف ان بنجلاديش لم تقبل بتلك البنود حتي الان،وربط زاو التأخير من جانب بنجلاديش حتي الان بالاموال التي عرضها الانحون للمساعده في بناء مخيمات للاجئين في بنجلاديش والتي ترغب الحكومه البنغاليه في الحصول عليها-علي حد قوله!

فيما قالت بنجلاديش ردا علي هذه التصريحات أن ميانمار لم توافق علي 10 نقاط طرحها وزير الداخلية البنغالي أسد الزمان خان في المباحثات التي جرت علي الحدود نهاية اكتوبر الماضي بما فيها التنفيذ الكامل لتوصيات اللجنة الاستشارية لولاية راخين التي رأسها كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة من أجل إعادة اللاجئين علي أسس تضمن استمرار العودة.

وتسعي الصين الي إنهاء هذا الخلاف بين الدولتين والوصول الي اتفاق شامل يضع حلا طويل الامد لازمة الروهينجيا،ولعل توقيت التحرك الصيني يدفع البعض للتساؤل لماذا جاء التحرك الصيني الان؟ هناك عدة أسباب بالتأكيد ربما نتعرض لها في مقالات قادة بشكل من التفصيل،لكن يكفي الاشارة هنا وفق رؤيتي الشخصية أن الصين بمبادرتها تسعي الي قطع الطريق امام واشنطن لاستمرار هذه الازمة خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الامريكي الاخيرة برفض الولايات المتحده لاي عقوبات دوليه تفرض علي ميانمار،ورفض البنتاجون تعليق بيع السلاح لجيش ميانمار،وتخشي الصين من أن يشكل التدخل الامريكي في الازمة موضع قدم للولايات المتحدة في هذه المنطقة الهامه تزاحم بها النفوذ الصيني  أو أن يتم استغلال هذا الصراع ضد الصين مستقبلا بطريقة او بأخري.

  • فهل ستنجح الصين في إيجاد حل نهائي للأزمة؟
  • هل ستتوج مساعيها بنجاح مبادرتها؟ أم ستستمر مأساة الروهينجيا عصية علي الحل؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمه..

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى