الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

أفارقة حول المسجد الأقصى

بقلم : شاهيناز العقباوى – المركز الديمقراطي العربي

 

تاريخهم طويل حول المسجد الأقصى، لم يكتفوا بحراسته وحمايته بل فضّلوا الاستقرار حوله تاركين بلدانهم وقارتهم، راغبين في العيش حول كنفه متشبعين من روحانياته، اتخذوا من  فلسطين بلدا ثاني لهم فاحتضنتهم ومكنتهم من ترابها، وصعب عليهم فراقها ولم تمنعهم بشرتهم السمراء من أن يصبحوا أحد أبناءها المقربون، وأن تراق دمائهم وتقدم أرواحهم فداءا له ودفاعا عنه، فهم جزء أصيل من القدس تمسكوا بترابها فأصبحوا من أهم رجالها الأبطال الأبرار المناضلين لأجلها .

يرجع وجود الجالية الإفريقية  في فلسطين إلى عهد الفتوحات الإسلامية، عندما دخل الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس برفقة عددا منهم ، وفي أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية وخلال عهد محمد على باشا والى مصر رافق بعضهم إبراهيم باشا في حملته الشهيرة على فلسطين .

يعود استقرارهم بالقدس الشريف لسببين الأول ذكره أبراهام مليجرام  عام 1990  في كتابة “فضول القدس،” أن الجالية السوداء في القدس، والتي أطلق عليها اسم “هارلم الصغيرة” نشأت مع وجود عمال أفارقة أحضرهم “الجيش البريطاني” لوضع السكك الحديدية والبنية التحتية في فترة احتلال الجنرال إدموند أللنبي لفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وعندما عاد العمال إلى ديارهم في القارة، أخبروا أسرهم وأصدقائهم بالأعجوبة التي عاشوها في المدينة المقدسة.

فتمنى الكثير من المتدينين زيارة المدينة الرائعة، لذا قرر العديد منهم عقب الانتهاء من الحجة المقدسية ” التي تبدأ في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ثم تنتقل إلى المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة وتنتهي بزيارة المسجد الأقصى في القدس الشريف ” المكوث في المدينة الساحرة والاستقرار فيها.

والسبب الثاني كان بهدف النضال والدفاع عن القدس ضد الاحتلال الصهيوني حيث جاءوا خلال حرب 1948 برفقة الجيش العربي وبعد انسحاب جيش الإنقاذ، فضلوا البقاء في المنطقة الشرقية الخاضعة للأردن.  ومع مرور الوقت وبانتشار التواجد الإسرائيلي  وزيادة إحكام سيطرته على الأراضي الفلسطينية، انتقلوا وتجمعوا في منطقة واحدة قرب “باب المجلس” ، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، فصارت لهم جالية وجمعية إفريقية واليوم وحسب آخر إحصائية لهم يبلغ تعدادهم 750 نسمة ينتمون إلى ـ50 عائلة إفريقيّة.

وتعود أصول الجالية الأفريقية حول المسجد الأقصى إلى تسع قبائل هي ، قبيلة السلامات، وهى عربية ممتدة من آسيا إلى قلب إفريقيا. وقبيلة الهوسا وتعد من أهم المجموعات البشرية في غرب أفريقيا، وقبيلة الفلانة وهي سودانية تعود جذورها إلى الأصول النيجيرية، وقبيلة الكانوري وهي مجموعة عرقية تقطن ولاية بورنو، شمال شرق نيجيريا. والبلالة وهى قبيلة تحيا على الساحل الشرقي لبحيرة تشاد وكانبمو، الآتية من شرق النيجر، وقبيلة الفولا، وهي من أكبر القبائل في دارفور،والبرقو وهى من القبائل الوافدة إلى دارفور، وأخيرا قبيلة الزغازة، وهى من عرب الجنوب يعيشون جميعهم ألان في تعاون ووحدة  (1) .

حراس المسجد:

عشق الأفارقة الأقصى وقرروا استيطانه وأخذوا على عاتقهم حراسته وحمايته وتقديم الخدمات للمصلين، وعندما استشعر الحاج أمين الحسيني عام 1918، مفتي القدس آنذاك، وجود خطرا يهدد المسجد الأقصى، أمر بأن يتولى ألأفارقة المسلمون مسؤولية حراسة المسجد، لقدراتهم الجسمانية ولونهم الأسود، ومكنهم من الإقامة بالقرب منه، وكان معظم العاملين في المسجد من أبناء الجالية متشددين دينيا، فإذ لم تكن مسلما، لم تتوفر لديك أي فرصة للدخول إلى حرمه ويذكر أنه:عندما أراد الدون البلجيكي بارا بانت أن يزور المسجد الأقصى، أصدر المسئول عن إدارة المسجد آنذاك أوامره بمنح الأفارقة إجازة في ذلك اليوم، لأنه لو قدم بينما هم متواجدون لما تمكن أبدا من الدخول”.

وتحدث  المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه “موجز تاريخ القدس”، عن هذه الحادثة واصفا إياها أن “متصرف القدس غيبهم عن الحراسة كي يتسنى للدون بارا بانت البلجيكي وعقيلته النمساوية الأصل زيارة الحرم بإذن من السلطان”.(2).

مساكنهم:

وتستقر الجالية الأفريقية في اثنين من المواقع التاريخية في البلدة القديمة الأول رباط علاء الدين البصير وهو أول رباط يشيد في القدس،  ويقع في الجهة اليمنى من الخارج من المسجد، والثاني الرباط المنصوري المقابل له، والموقعان لا يبعدان سوى عدة أمتار عن مدخل المسجد الأقصى ويعود وجودهم في هذين المكانين إلى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، أو بداية العقد الثالث.
ويرجع السبب في استقرار الأفارقة في هذا المكان هو أن معظمهم في ذلك الوقت كان من سدنة المسجد الأقصى، يقومون بحراسته والاعتناء بنظافته وخدمة زواره، وكانوا في ذلك الوقت منتشرين في عدة مواقع، وطالبوا أن يتجمعوا في مكان واحد حتى يسهل عليهم خدمة الأقصى بشكل أفضل، وبالفعل استطاعوا الاستقرار في هذين المكانين بعد أن قام الشيخ المجاهد أمين الحسيني، الذي كان مسئولا عن دائرة الأوقاف الإسلامية وقتها، بتأجير المبنيين لهم بأجور سنوية رمزية وبمرور الوقت أخذت إقامة الأفارقة المقدسيين في هذين المبنيين طابع الديمومة .

شيدا المكانين في أواخر القرن الثالث عشر على يد المماليك ليكونا نزل للحجاج المسلمين القادمين إلى القدس، وخلال الثورة العربية الكبرى عام 1914-1917 حول الأتراك العثمانيين ، هذان النزلين إلى سجون، ومع بسط هيمنة الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1918، أغلق السجنان وأحيلت المسؤولية عنهما إلى إدارة الأوقاف الإسلامية التي أعادت تسكين الفقراء والحجاج المسلمين والأفارقة فيه. (3).

الدفاع عن القدس:

ضمت الجالية الأفريقية العديد من الشهداء، والجرحى، والمعتقلين، والناشطين السياسيين وشارك الكثيرون من أبنائهم في المعارك التي خاضها الفلسطينيون ضد الحركة الصهيونية، وكان أبرزها معركة “جبل المكبر” التي قادها محمد طارق الأفريقي واستطاع ومن معه من القوات الفلسطينية والأردنية إنقاذ “جبل المكبر” ومحيطه من الاحتلال الإسرائيلي عام 1948.

ويقف أبناء الجالية وبناتها دائما في طليعة النضال، فكانت فاطمة برناوي أول فتاة  فلسطينية تعتقل من  الأفارقة ، وحكم عليها بالمؤبد أمضت 11 عاما منهم في سجون الاحتلال قبل إبعادها عن فلسطين، لكنها عادت مع السلطة الفلسطينية عام 1994، واليوم هي من مسئولي الشرطة في القدس .

وخلال الانتفاضة الأولى تعرض الكثير من الشبان والشابات من أبناء الجالية للاعتقال، وخلال انتفاضة عام 2000، سقط  أول شهيد منهم وهو  أسامة جدة ونظرا لدورهم البطولي في الدفاع عن القضية الفلسطينية  حاول الاحتلال “الإسرائيلي”  أن يستقطبهم و يبني جسورا لتواصل مع المجموعات الإفريقية مقدما عددا من الامتيازات والتسهيلات والخدمات في حياتهم اليومية، إلا أن عائلاتهم رفضت هذا العرض، وكان ردهم الدائم “بأنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع المقدسي، وما يقع عليه يقع علينا ” مما ترتب علية إدخالهم في الكثير من المشاكل على رأسها الاقتصادية.(4)

الوضع الاقتصادي :

ولا يختلف الوضع الاقتصادي لأبناء الجالية الإفريقية عن باقي أبناء الشعب الفلسطيني ، فنسبة الفقر مرتفعه جدا بينهم  بحسب دراسة “معهد القدس لدراسات إسرائيل” للعام 2014،  حيث بلغت 80 % يضاف إلى ذلك وضعهم الخاص لعدم وجود أملاك لهم من بيوت و أراض، حيث يعيش معظمهم في بيوتهم المستأجرة.

والأمر هنا لا يتعلق بوجود قانون يمنعهم من الشراء، ولكن كونهم ليسوا أبناء البلد الأصليين ومهاجرين إليها، فهم ليسوا أصحاب أملاك ( أراضى أو عقارات) في المدينة حيث استمروا في عيشهم في البيوت التي استأجروها منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

ويعيش أبناء الجالية الأفريقية اليوم حالة من ضيق العيش على المستوى المادي كسائر أبناء الشعب الفلسطيني، وسكان البلدة القديمة في القدس تحديدا؛ نتيجة لخنق الاحتلال الإسرائيلي لهم. هذا إلى جانب أزمة الهوية التي يعانون منها، فمعظم أبناء الجالية لا يحملون أي جوازات سفر تتيح لهم التنقل بين بلدان العالم.

إذ إن الحكومة الأردنية لا تعترف بهم كمواطنين أردنيين مثل سائر أبناء القدس، كما أنهم محرومون من جوازات السفر الفلسطينية كغيرهم من أبناء المدينة بحسب ما جاء في اتفاقيات أوسلو، مما يجعلهم أمام خيار حمل جوازات السفر الإسرائيلية، وهو ما يرفضه غالبيتهم كجنسية احتلال، كما يفعل غالبية أبناء القدس.(5)

وضع الجالية الاجتماعي:

اندماج الأفارقة في المجتمع الفلسطيني من اللحظات الأولى لاستقرارهم في المدينة حيث شكلت عوامل اللغة والدين والعادات المشتركة أساسا لعملية الاندماج في الغالبية العظمى بينهم ، ولزيادة الانتماء  تزوجوا من نساء فلسطينيات وتزوجوا منهم ، وحاولوا خلال عقود مرت عليهم في القدس المزاوجة بين انتمائهم الفطري لبلدهم الأم، و حبهم للمكان المقدس الذي اختاروه. وبالفعل حدث الانصهار، إلا أنهم حافظوا على ما يميزهم من تقاليد وعادات تعود إلى وطنهم الأم، وكان لجمعية الجالية الإفريقية دور كبير في الحفاظ عليها، تلك الجمعية التي تأسست عام 1983، لتعريف أبنائها، لاسيما الشباب منهم، بثقافتهم الإفريقية والعمل على ربطهم بها حفاظا على هويتهم الإفريقية إلى جانب كونهم فلسطيني النشأة.

والجالية مجتمع يغلب علية طابع الشباب إذ تقل أعمار الغالبية منها عن العشرين عاما وتتميز العلاقة بينهم بوجود روابط اجتماعية متماسكة وقوية، ويعتبر الأفارقة أنفسهم جزءا أصيلا من الشعب الفلسطيني بعاداته وتقاليده المستمدة من روح العقيدة الإسلامية لذلك اندمجوا بشكل كامل في المجتمع ولم ينغلقوا على ذاتهم و ارتبطوا بعلاقات قوية مع من حولهم وصاروا جزءا هاما من  نسيج المجتمع ، من حيث الواقع والتاريخ واللغة والدين (6).

وضعهم العلمي:

نظرا للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها لم يحظ أبناء الجالية بالتعليم العالي، فمعظم الشباب يتركون الدراسة من اجل العمل لإعالة أسرهم، و معظمهم ترك الدراسة قبل أن ينهوا المرحلة الثانوية، وقليلون منهم حازوا على شهادة البكالوريوس. ومن حيث الوضع الثقافي فهناك مثقفون على درجة عالية من الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي على الصعيدين المحلي والعالمي (8).

إجمالا أصبحت الجالية الإفريقية بمرور الزمن جزء هاما من النسيج الفلسطيني ودفعتهم إقامتهم في القدس وعملهم في حراسته لقرون عديدة ليصبحوا، من أبطالة المدافعين عنة وينخرطوا في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ،مقدمين أرواحهم وأمالهم فداءا له ، رغم أنهم يعيشون في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدا إلا أنهم يرفضون أي وسائل للدعم تقدم لهم من قبل المحتل لأنهم يرون أنفسهم جزء من الشعب الفلسطيني .

المصادر :

  • مركز معلومات الوطن الفلسطينية وفا.
  • دكتورة سوزان بيكرلنغ ، التاريخ الخفي ،الواقع السري، جذور وواقع الفلسطينيون الأفارقة .نقلة إلى العربية :دكتور صلاح الزرون1998ص5،6

-عارف العارف، تاريخ قبة الصخرة المشرقة، القدس، مكتبة الأندلس1955ص225

3_ https://www.timesofisrael.com/the-old-citys-african-secret

4   _المركز الفلسطيني للإعلام القدس المحتلة.

  • مركز البحوث والدراسات الإفريقية جامعة إفريقيا العالمية :مؤتمر طرق الحج في إفريقيا، الأفارقة في بيت المقدس ، الجامعة الإفريقية 2016.

African-Palestinian community’s deep roots in liberation .5_

6_موقع شبكة الجذور الشعبية المقدسية (جراسروتس القدس)، حقوق الإنسان في القدس الشرقية .

7_موقع  الجالية الإفريقية في فلسطين .

8_ https://electronicintifada.net/content/african…communitys…/1468        

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق