الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الباندا بدل التنين .. دبلوماسية الباندا الجديدة للصين

اعداد : أحمد عقيل عبد – باحث من العراق 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

كثفت بشكل ملحوظ الحسابات التابعة للحكومة الصينية نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو, تظهر الحياة اليومية لحيوان (الباندا) في قالب فكاهي وجذاب, مما يدفعنا إلى التساؤل عن دلالات هذا السلوك, وما إذا كان ضمن استراتيجية رقمية تتبعها الصين في الفضاء الإلكتروني العالمي.

توظيف الحيوانات في الدبلوماسية

يعود تاريخ توظيف الحيوانات في الدبلوماسية إلى مصر القديمة, وهناك من يرجعه إلى مرحلة أقرب, وهي مرحلة “الاستعمار”, إذ تم تقديم أنواع مختلفة من الحيوانات كهدايا أو رشاوى أو تعويضات, وفي أحيان أخرى كان منحها يدل على الخضوع أو التحالف, وكانت الحيوانات التي يتم منحها ذات قيمة عالية في موطنها بسبب مظهرها الجسدي أو ضراوتها أو ندرتها, وكانت بمثابة وسيلة يمكن من خلالها لرؤساء الدول الفقيرة التأثير على الدول القوية, ومن أبرز الأمثلة على ذلك, حديقة الحيوانات الملكية في المملكة المتحدة التي احتوت على حيوانات قدمت كهدية من رؤساء الدول حول العالم إلى التاج البريطاني, وجدير بالذكر أن جميع هذه الحيوانات قد اضيفت إلى مجموعة حديقة حيوانات (Regents Park Zoo) عندما منح الملك (ويليام الرابع) لأمناءها حديقة الحيوانات الملكية في العام 1831, وفي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية برزت ملامح دبلوماسية الحيوان (Animal Diplomacy) التي تعرف اليوم بأنها: “استخدام الحيوانات المحلية لأغراض دبلوماسية”[1].

الباندا أبرز مثال على دبلوماسية الحيوان

عندما جلب التجار حيوان الباندا إلى الدول الغربية ومن ثم عرضه في حدائق الحيوانات في ثلاثينيات القرن الماضي, لفت انظار الصين اهتمام الشعوب الغربية وانجذابها نحو حيوان الباندا, وعليه جعلت الحكومة الصينية جميع حيوانات الباندا في الصين – التي تعد الموطن الأصلي للباندا – ملكاً للدولة وأصبحت تعدها كنزاً وطنياً[2], ولم يتم تصدير المزيد منها إلى الخارج, وفي العام 1941 قدمت زوجة الزعيم الصيني (شينغ شاي شيك) زوجان من الباندا إلى الولايات المتحدة تعبيراً عن شكر وتقدير للحكومة الأمريكية على مساعدة الصين في محاربة اليابان, وعندما وصل الشيوعيين إلى السلطة في العام 1949 أعاد الرئيس (ماو تسي تونغ) إحياء ممارسة منح الباندا للحلفاء, فتم تقديم الباندا إلى الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية[3]. وبعد شهرين من رحلة الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) التاريخية إلى الصين في العام 1972 والتي أنهت 25 عاماً من العزلة والتوتر بين الصين والولايات المتحدة, أرسلت الحكومة الصينية زوجان من الباندا كهدية إلى الشعب الأمريكي[4], وهكذا استمرت الصين بتقديم الباندا كهدايا إلى الدول التي ترغب في بناء علاقات دبلوماسية معها, ومنذ منتصف الثمانينيات, توقفت الصين عن تقديم الباندا كهدايا إلى الحكومات الأجنبية, ولكن دبلوماسية الباندا (Panda diplomacy) التي أصبحت تعرف بهذا الأسم على نطاق واسع لم تتوقف[5], إذ أخذت تتجلى في ثلاثة أشكال جديدة[6]:

  • تأجير الباندا للحكومات الأجنبية مقابل مليون دولار سنوياً[7], و وفقاً للإحصائيات تعيش حيوانات الباندا المملوكة للصين في 25 حديقة حيوان حول العالم[8].
  • إرسال الباندا إلى الخارج للمشاركة في المعارض قصيرة الأجل.
  • إرسال الباندا إلى الخارج في إطار البحث والتعاون العلميين.

وهكذا دخلت دبلوماسية الباندا على مسرح دبلوماسية الصين المعاصرة وأصبحت تمارسها الحكومة الصينية لخدمة أهداف سياساتها الخارجية.

دبلوماسية الباندا الجديدة[9]

على الرغم من حظر مواقع التواصل الاجتماعي العالمية داخل الصين, نجد أن لدى الحكومة الصينية عدة حسابات وبلغات مختلفة على مواقع التواصل, وبدأت الصين مؤخراً باستعمال هذه الحسابات كأداة في دبلوماسية الباندا, مما دفع الكثير من الباحثين ومنهم (شاو هوانغ و روي وانغ) إلى دراسة ممارسة دبلوماسية الباندا في الفضاء الإلكتروني العالمي. ومن خلال جمع وتحليل المحتوى المتعلق بالباندا الذي تنشره الحسابات التابعة للحكومة الصينية في موقع (تويتر), توصلت دراسة (شاو هوانغ و روي وانغ) إلى النتائج الآتي:

  • تستخدم الحكومة الصينية صور ومقاطع الفيديو الظريفة لحيوان الباندا لجذب إنتباه الجماهير في مواقع التواصل الاجتماعي, وتحفيز تفاعلهم مع الحسابات التابعة للحكومة الصينية بما في ذلك زيادة متابعيها, ومن ثم زيادة تأثير هذه الحسابات شبه الدبلوماسية.
  • تدمج الحكومة الصينية دبلوماسية الباندا في ممارسة الدبلوماسية الشعبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي, إذ أن صورة الباندا المحبوبة متجذرة بعمق في قلوب وعقول الناس بغض النظر عن العرق والجنسية والخلفية الثقافية, ومن ثم ستساعد الصين على التغلب على فجوة اللغة والايديولوجية والثقافة بينها وبين الشعوب المستهدفة, مما سيسهل الوصول إلى الجماهير الأجنبية والتفاعل معهم.
  • تنشر الحسابات المملوكة للحكومة الصينية صور ومقاطع فيديو لحيوان الباندا بغرض جذب المزيد من السياح إلى الصين.
  • استخدام صورة الباندا لإظهار إنجازات الصين في مختلف المجالات لا سيما الصناعية, ومن أبرز الأمثلة على ذلك, نشر مقاطع فيديو لأول قطار معلق يعمل بالطاقة المتجددة في الصين وكان تصميم القطار مشابه لمظهر الباندا[10].
  • تعد الحكومة الصينية حيوانات الباندا سفراء ودودون ودبلوماسيون حيوانيون للصين, ويتضح ذلك من خلال تركيزها على تفاعل رؤساء الدول والسياسيين الأجانب مع حيوانات الباندا, إذ تقوم الصين بنشر المحتوى التي يظهر فيه رؤساء الدول والسياسيين الأجانب مع الباندا الصينية, ومن أبرز الأمثلة على ذلك, قيام الحسابات الصينية بتغطية زيارة عائلة الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) لأول باندا يولد في فرنسا, وجدير بالذكر أن زوجة ماكرون قد قامت باختيار أسم (يوان منغ) للباندا حديث الولادة, وهكذا استثمرت الصين الحدث لإنشاء تفاعلاً دبلوماسياً غير تقليدي مع السياسيين والمواطنين الفرنسيين عبر مواقع التواصل, ولتصوير الباندا (يوانغ مينغ) كسفير يوثق العلاقات بين الصين وفرنسا[11].
  • تنشر الصين عبر مواقع التواصل الاجتماعي منشورات علمية حول حياة الباندا وعاداتها مما يشير إلى أن دبوماسية الباندا الجديدة لا تستخدم صورة الباندا لتحقيق أهداف دبلوماسية فحسب, بل تسعى أيضاً إلى تثقيف الجماهير حول الباندا.

وبالنظر إلى نتائج الدراسة, يتضح لنا أن الصين توظف صورة الباندا ببراعة ضمن استراتيجية رقمية في الفضاء الإلكتروني, تهدف إلى تحقيق جملة من الأمور قامت الدراسة بتحديدها, ومما لا شك فيه, إن هذه الاستراتيجية تعتمد على الجاذبية التي يتمتع بها حيوان الباندا.

سر جاذبية الباندا

يضع الباحثين شرطين أساسيين لممارسة دبلوماسية حيوان فعالة, الشرط الأول هو أن يكون الحيوان مميزاً, أما الثاني فهو وجود الحيوان بشكل طبيعي فقط في الدولة المانحة[12], وهذان الشرطان ينطبقان على حيوان الباندا الذي لا يوجد بشكل طبيعي خارج الصين, كما أنه يتمتع بخصائص مميزة تثير خليط من المشاعر لدى البشر عند رؤيته, فوفقاً لعالم السلوك (Konrad Lorenz) لدى البشر مشاعر إيجابية تجاه الحيوانات التي تتمتع بخصائص جسدية شبيهة بالأطفال, وحدد هذه الخصائص بالآتي[13]:

  • جبهة مرتفعة ومنتفخة قليلاً
  • رأس كبير
  • عيون كبيرة
  • وجه مستدير
  • أطراف قصيرة أو ممتلئة

تحفز هذه الخصائص العاطفة والاهتمام عند البالغين, فعندما يرى الناس حيواناً له خصائص طفولية مثل الباندا, ستكون ردود افعالهم الطبيعية هي: الشعور بالحنان تجاهه, والرغبة في عناقه, وتقبيله, وحمايته.

محاولة ربط صورة الصين بالباندا

لدى الصين حالياً ثاني أكبر إقتصاد, وثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم بعد الولايات المتحدة[14], ومن المتوقع أن تصبح الصين القوة العظمى الأولى على مستوى العالم في الأعوام القادمة, وفي ظل هذه المعطيات الجديدة التي أثارت قلق ومخاوف عالمية من الصين والتي انطلقت من المراكز الأكاديمية والسياسية في الولايات المتحدة لتنتشر في جميع أنحاء العالم[15], تحاول الحكومة الصينية خلق تصور إيجابي عالمي عن الصين بين مستخدمي الإنترنت في العالم[16] عن طريق ربط صورتها الدولية بالباندا اللطيفة التي بالرغم من ضخامة حجمها إلا أنها مسالمة ولا تؤذي أحداً, وعليه يمكن القول: إن الصين تسعى إلى إجراء تغيير في صورتها التقليدية المرتبطة بالكائن الأسطوري (التنين) التي أصبحت لا تبعث برسائل إيجابية أو لا تتلائم مع الواقع الجديد الذي تشهد فيه قوة الصين صعوداً مستمراً. فهل ستكون الصين مستقبلاً وبعد أن تتعاظم قوتها, مسالمة مثل الباندا ولا تتصادم مع القوى الأخرى, يبقى السؤال متروكاً للمستقبل ليجيبنا عنه.

[1] Nancy Cushing and Kevin Markwell, Platypus diplomacy: animal gifts in international relations, Journal of Australian Studies, Vol. 33, No. 3, September 2009, p 255-256.

[2] Ibid, p 256.

[3] Jamil Anderlini, How the panda became China’s diplomatic weapon of choice, Financial Times, 3 November 2017, On the website:

https://www.ft.com/content/8a04a532-be92-11e7-9836-b25f8adaa111

[4] Brynn Holland, Panda Diplomacy: The World’s Cutest Ambassadors, history, 22 August 18, On the website:

https://www.history.com/news/panda-diplomacy-the-worlds-cutest-ambassadors

[5] Nancy Cushing and Kevin Markwell, Op. Cit., p 256.

[6] Zhao Alexandre Huang and Rui Wang, ” Panda seems like a new “cat” : China’s digital panda public diplomacy on Twitter: affective sign, image promotion, and the permanent Chinese diplomat”, EUPRERA 2018 Congress: Big Ideas – Challenging Public Relations Research and Practice – Social media, Denmark, 2018, p 1.

[7] Jamil Anderlini, Op. Cit.

[8] Andreas Pacher, China’s Panda Diplomacy, The Diplomat, 2 November 2017, On the website:

https://thediplomat.com/2017/11/chinas-panda-diplomacy/

[9] Zhao Alexandre Huang and Rui Wang, Op. Cit., p-p 1-16.

[10] See: https://twitter.com/XHNews/status/859604586285477888

[11] First Panda cub born in France named Yuan Meng, New China, 5 December 2017, On the website:

http://www.xinhuanet.com//english/2017-12/05/c_136802466.htm

[12] Nancy Cushing and Kevin Markwell, Op. Cit., p 256.

[13] According to: Zhao Alexandre Huang and Rui Wang, Op. Cit., p 5.

[14] Jamil Anderlini, Op. Cit.

[15] Xiaoling Zhang, “China’s International Broadcasting: A Case Study of CCTV International”, in: Jian Wang, Soft Power in China Public Diplomacy through Communication (United States: St. Martin’s Press, 2011), p 68.

[16] Zhao Alexandre Huang and Rui Wang, Op. Cit., p 2.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى