الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

استعادة الوعي الجمعي الغيني

بقلم: محمد بوي صو،  جمهورية غينيا، وباحث دكتوراه بمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

الملخص:

إن أزمة غينيا الروحية والقطاعية والمؤسسية لا يمكن تفكيكها وحلها إلا باستجلاء أسبابها وسبر أغوارها. فلذا، فلا بد من إجراء عملية فحص ناجعة في كافة القوى والبنى المعنية بإصلاح المجتمع، وتعصيرها، وبيان خللها، ثم اقتراح اللقاح المناسب لها. إذا، سأبحث عن هذه القضية في هذا البحث الوجيز من خلال أربعة إشكالات علمية، ومقدمة، وخمسة فروع نظرية وعملية، وخاتمة، وبالله التوفيق.

لقد تفاقمت منذ زمن بعيد على مرأى ومسمع من العلماء والمثقفين الغينيين، مشكلة عميقة تبلورت في السلوك الاجتماعي، وشكلت عناصر غير عادية لأفول الوعي وغياب النظر الفاحص وذوق النقد الرفيع والتحليل المنهجي والمبادرة والاقتراح الرشيد. وتهيأت بها، الأرضية الطالحة لتراجع الفكر والاستعداد التام للانسلاخ عن الصالح المألوف بل وللانجرار وراء الموضة الثقافية القابعة التي تزرع بذور التخلف والاستسلام عن مساعي الفعل الجماعي في نفسية الشعب.

ومن المشاهد في الواقع الغيني، أن كل القطاعات تشكوا شكلا ومضمونا بعدم اهتمام ذويها والشاغلين عندها وقلة فاعليتهم. ومن المدرك في السلوك الجماعي، أن الذاتية تفني قيمة التبرع والسعي نحو الإبداع والإصلاح وترميم الشكل والمضمون للمشترك العام.

إن غياب روح المبادرة، ومأسسة الخير، والنهوض نحو الفحص الجماعي عن مكامن الخلل، وإقامة دراسة تفكيكية عميقة مع البحث عن بديل حضاري اجتماعي ناجع، لمن المؤشرات الثاقبة الجلية عن غياب الوعي الجماعي في بلورة الصالح العام وتدشين مصالح الارتفاق للعبور بها إلى سهول السعادة.

وعند فقدان التأمل والتفكير حول كيفية إصلاح الموجود الممكن واستشراف المفقود المستعصي وقياس الغائب على الشاهد، والبحث عن سبل تلاقح المعارف، وترتيب فن العمل الجماعي، وبناء الحوار العقلاني المثقف لتصفية المنهج والوظيفة والغاية، عندئذ يمكننا التأكيد بوجود طفولية فكرية وأزمة وعي ويقظة.

وبدلا من تصويب الرؤية نحو أجندة تعليمية وبرامج اقتصادية تنموية رشيدة، وتقوية المؤسسات، فإن الشعب المخدوع يلفت نظره إلى الماضي التاريخي ليستخلص من طياته أعطابا نرجسية تزيد القضية صعوبة وتجعل من الاتفاق وتضافر الجهود معضلة اجتماعية لانفكاك لها.

ومع ذلك، فهل هناك أمل لإيقاظ الشباب؟ وهل من سبيل لتبصير الناشئة وتنبيه الغافلين وإرجاع الوعي؟ وما هو الواجب على الدولة لتحريك عجلة العمل الجماعي صوب إصلاح الموجود وترميمه والتخطيط للمأمول وتصويره وتقريبه وتحقيقه؟ وما هو دور المؤسسات الاجتماعية من الأسرة والدين والإدارة والمدرسة لترسيخ قيم اليقظة والوعي الجماعي؟

في ثنايا هذا البحث المتواضع ومن خلال هذه الإشكالات، سأحاول بيان أبعاد غياب الوعي الجماعي الغيني واغترابه عن قيمه، وأوضح أسباب ذلك مع اقتراح طرق مناسبة لتشخيصها ومعالجتها، وذلك من خلال خمسة فروع.

الفرع الأول: غياب الوعي الأسري.

لقد أدى انفصال عرى الأسرة عن تماسكها الطبيعي إلى آثار وخيمة جدا، تتمفصل كلها في عنصر غياب الوعي والرؤية الأسرية الواضحة حول تدشين الخير وتفعيل التضامن تحت سقف هوية مثالية. إن انسلاخ الأسرة عن قيمها الثقافية، وانسياعها وراء المادة والمنفعة المتمثلتين في عنصر اللذة، كان سببا قاضيا على رفاهيتها وروحها وريحانها، وسببا وجوديا لتحررها الكلي عن قيم التعاون والتلاحم الأسري.

لقد شكلت عمل المرأة خارج الأسرة مظهرا جليا من مظاهر الفطام عن روح التربية وعدم شعور الناشئة لعاطفة الأمومة في غينيا. أعني عندما أصبحت المرأة مسؤولة عن شؤون الداخل والخارج في الأسرة، دون تدخل الرجل في شأن الانفاق ومراقبة المنزل، وفي الوقت الذي أصبحت فيه البطالة من شيم الرجال، والدياثة ديدنهم، وتعرت عنهم وازع الأبوة، وانعدمت المسؤولية الزوجية منهم، فعندئذ تبددت مسالك بناء الوعي بين الزوجين والأبناء وعلاقتهم بالخارج. وتشكل عن ذلك نموذجا جديدا من اللامبالاة والفردانية والأنانية ومنطق اللوم المتكرر.

“بالعادة يلعب الآباء دور السلطة في البيت، وليس المقصود بالسلطة هنا فرض القوة أو القسوة، بل أن يكون الأب صمام الأمان للأسرة والقادر على حسم الأمور لصالحها…”[1].

لا يمكن لأي أسرة غينية أن تنجح في مشروع الزوجية حقا إلا بتضافر جهودها، وربط ظاهرها المادي بباطنها الروحي وتصفية التصرفات الرديئة من القيل والفعال. وبناء الأخلاق الفاضلة، والأدب الرفيع: كالاحترام الجم، والتواضع، وتجويد العمل، والنظرة الإيجابية إلى الناس والأشياء، والعمل الخيري، وحب الذات والآخر وفرض النظام. ذلك لأن مفهوم الأسرة لا ينحصر في عقد صحيح بغية التوالد فحسب، بل هو مشروع يفتعل الخير من ينبوعه الصافي، ليبني القيم الراقية وينشرها لتنفع المجتمع.

والأسرة هي الأستاذ الأول، والنواة الصغيرة الممثلة للفرد والجماعة. وهي بمثابة مركز تدريب مثالي، تمد المجتمع سلوكه الجيدة عبر قنوات الأطفال الذين يتربون فيها. والأسرة مرآة المجتمع، وعلاقة الرجل بالمرأة هو أساس كل شيء فيها، والأبناء سفراء والمجتمع هو العالم، ولكل امرئ من داره في دهره ما تعود.

الفرع الثاني: غياب الوعي المدرسي.

المدرسة هي البيئة المهيأة لتزكية العقول وتوجيه النظر وتفتيق بؤرة التفكير. وهي السلاح المجنح ضد الجهل والظلامية والفقر والمرض والانقسامية. وإنها لهي التي تعطي معنى لوجود الإنسان العقلية والعلمية، ولا يمكن التعاطي لدواعي التحضر الواعي والمثقف بدون تبادل قيم المثاقفة والمبادرة والعلم[2] والإصلاح مسبقا.

فالمدرسة تضفي طابعا قداسيا على مشروع الوحدة المؤدية إلى أوج البناء والإنتاج والابداع والتفكير العلمي حول كيفية الخروج عن دائرة العتمة الحضارية والمشاكل المعيشية. “وتحاول المدارس من خلال المعلمين و الأنشطة التعليمية اكتشاف قدرات و مهارات الطلاب في مختلف المجالات، و السعي نحو تنميتها بالشكل الذي يعود بالنفع على المجتمع في المستقبل”[3].

ولا تفيد المدرسة بلدا ما، إذا لم تكن مناهجها معالجة وموجهة نحو غاياتها ومقاصدها الآنية والمستقبلية، تستمد دروسها ووعيها الحضاري من الماضي التاريخي المدروس بشكل تفكيكي استهدافي.

وتلك المناهج؛ لا يمكن أيضا تحقق فاعليتها مع انعدام كوكبة من الغيورين، التي تتمثل في شخصية المديرين، والمدرسين، والمراقبين الحكوميين والمتفاعلين الاجتماعيين الذين يمثلون آباء الناشئة ويدركون همومهم اليومية مقارنة بهموم الدولة وتحديات الحضارة.

إن تعليم الناشئة في المدرسة قيم العمل الجماعي، والنظافة، والثقة بالذات وحب الآخر، واستفراغ الوسع والتفاني في استحصال أجود ما في الذات لإنجاز الفروض المدرسية، وتعليمهم أرقى سلوك المواظبة وروح الابتكار، والقيادة، والاندماج والمناقشة، ومحاربة الإجرام، تجعل منهم أناسا ذوي أخلاق راقية وفضول معرفية وقادة، تحرك فيهم بواعث الإبداع وإرادة التغيير وتغيير الإرادة.

مما في ذلك: “تعليم الطالب كيفية استخدام الوسائل و الأدوات التكنولوجية الحديثة فيما ينفعهم…[4].

فالوعي الغيني يجب بناؤه وتشكليه وتطويره عبر السنين، وعلى مدى أجندة زمنية مستهدفة وطبقا لمستويات مرحلية. ويتحتم التخطيط لإصلاح تربة قابلية التوعية عند الناشئة من بداية سنين الدراسة الأولى عبر قنوات الإرشاد والتوصية وتعليم الالتزام، وتصفية ما تمخض به العقل المريض عبر قرون، لئلا تتحول قابلية الذهن للتعلم إلى أبية ظلامية مستوحشة لا يجدي معها الترشيد ولا التوجيه.

ففي الصين مثلا: ” شهد العام 1960م، بداية انفتاح المجتمع الصيني على حضارة الغرب، مما جعل قادة النظام التعليمي ينادون بضرورة التغيير في كل جوانب التعليم، ومنها اصلاح اللغة الصينية[5]. فاللغة الوطنية بهذا المنطق لهي صميم الإبداع.

فالبرامج الدراسية الابتدائية والإعدادية قبل الثانوية، يجب أن تتضمن المصالح الجماعية المحلية والوطنية العامة على شكل رؤى واضحة وأمنيات ملحة ترسخ في الأذهان وتجسد عبر تبرعات فعلية صغيرة في الواقع العملي، مثل التسارع في الزراعة وصناعة ما يحتاج إليه المجتمع، والمساهمة لمساعدة المحتاجين، والتكاتف من أجل مناهضة الرسوب وضعف المستوى في الفصل…

لا يفيد مواصلة الدراسة فيما بعد الثانوي إذا لم يكن الطالب واعيا لهموم أمته أولا. يكون مدركا لأهداف دراسته، متخصصا فيما يحب ويتقن، عارفا للموجود ومتصورا ذهنيا للناقص والمفقود، وعازما على البحث عنه وتقريبه وتحصيله وتحقيقه ونشره لينفع به الناس، ويزيد به العلم تطورا والمجتمع رفاهية والدولة إصلاحا.

ولقد أدركت الإمارات أهمية هذه البحوث ودورها في تنمية المجتمع، فكان أن خصصت لها وزارة باسمها كي تدعم البحوث والباحثين في المجال الأكاديمي، وأيضا ترفع من مستوى التعليم الأكاديمي بمنح درجات أو اعتمادات للمؤسسات الأكاديمية، اذ يعتبر البحث العلمي طريق الدول نحو النهضة والتنمية المستدامة”[6].

إذا لم تكن البرامج الدراسية الغينية، قادرة على ترسيخ الوعي السليم، وتشجيع روح المبادرة ومأسسة الترف الفردي والجماعي، فلا أجد جدوى في مواصلة تدريسها ونشرها، لأنها لن تفيد شيئا.  يجب أن تكون التخصصات الجامعية هادفة بناءة، مضبوطة في سياج تكويني رصين، متقن الجودة، هادف وغائي. مختصرة على الحاجات الملحة الدقيقة والخاصة للدولة في بعدي الداخلي والخارجي، مع إعداد كامل العتاد التقَنية في سبيل تنزيل الأفكار والنظريات على أرض الواقع حتى لا تبقى مجرد سحابة في أفق السماء.

“فإن على المناهج التعليمية أن تتسم بسمات معينة تتفق ومتطلبات العيش في هذا العصر وأن تحدد معالم الطريق الى التعلم الذي يمكن الفرد من اكتساب صفات مواطن القرن الحادي والعشرين، مثل المنافسة والقدرة على الابتكار وعلى الاختيار والمرونة وغيرها”[7].

وعليه فيجب التخلص من اللياقة ومجاملة من لا يتقن فن التدريس بين جدران القاعة المدرسية الغينية. لأن التسامح مع ذلك خطر جسيم، يفسد الكيان التعليمي وينتج ما لا يحمد عقباه من الفشل الدراسي والجاهزية التعليمية[8].

الفرع الثالث: غيا بي الوعي الديني.

إن نزعة التديُّن، نزعة مغروسة في أعماق النفس البشرية. ويقول معجم (لاروس) للقرن العشرين: إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية. وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية. إن هذه الغريزة الدينية لا تختفي بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جداً من الأفراد[9]. لقد وُجدت جماعات إنسانية بدائية بغير علوم ولا فنون ولا حضارات قوية، ولكنه لا نكاد نعثر على جماعة بشرية بغير ديانة.

والدين في الأصل مصدر للانبعاث وتجديد الطاقة ومقارنة القول بالفعال والضمير، وبناء علاقة وجودية بين الإنسان ومحيطه من الكائنات. لكن العكس يمكن أن يحدث تماما إذا تحقق الجهل أو التجاهل لأنماط الفكر الديني، وروحه الجماعية.

فمن علامات غياب الوعي الجماعي والاغتراب التوعوي في الحقل الديني الغيني، أفول الطاقة الإرادية الباعثة للمبادرة الخيرية الجماعية، وظهور الأنانية والانتهازية في شتى مجالاته، من المسجد إلى المؤسسة الدينية الحاوية لأشغال الوقف والفتوى والوعظ والإرشاد.

الحقل الديني الغيني قد أصبح مزيجا متشابكا ومعقدا جدا من الانتماءات النفعية المتمحورة حول الذات النرجسية والقبلية والطائفية. والإمام في غالب المساجد لا تعينه سلطة دينية ولا تراقبه جهة معينة، بل هو بمثابة دكتاتور صغير يستهدف هدايا المصلين، ودعوتهم إياه في الولائم ليتبوأ الرتبة الأولى تشريفا، ويكون هو الأوفر حظا عند قسمة الصدقات.

فكل المؤسسات الدينية التي عرفت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تعد موجودة أو لا تلعب أدوارها الروحية والاجتماعية إن وجدت في بلدنا. بل تُستغل في زرع خلافات طائفية بين المصلين، وإلقاء خطب إشهارية سياسية للحزب المؤيَّد في المكان. يتوارون خلف فتاوى ميتة لا تحرك ساكنة ولا تزيد في الطين إلا بلة.

لا ينحصر الدين في بناء مساجد، وإلقاء خطب ومحاضرات، وتدشين حلقات قرآنية ومراكز فتيا، وزواج الأربع بل هو دين نظام وقيم وتكاتف وتآزر ورحمة وكفالة، ينظم مصالح الدنيا والآخرة على حد سواء. “فالشريعة تنتشل الفرد منذ عمر التكليف اليافع لتمنحه حقوقاً وتفرض عليه واجباتٍ معينة تنمو وتتطور مع نموه وتطوره العقلي والفكري. فالضمير الإنساني يعلم بأنّ الأحكام الشرعية الخاصة بالفرد والمجتمع إنّما شرّعت من أجل المصلحة العليا للنظام الاجتماعي[10].

فالدين له دور واسع في التماسك الاجتماعي، والتنمية البشرية، والترقية الروحية، والتزكية النفسية، والحوار الفكري، والعمل الجماعي الذي يمكن أن يكون ملهما للنهضة الغينية. والخطاب الديني إذا تم توجيهه توجيها سليما، تغير به ما شأنه ألا يتغير، ويحصل به ما كان مستحيلا في السياسة والتخطيط الاستراتيجي[11].

فالمسجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان هو المأوى للمبادرات الحية، والمشورات القيمة، والتدابير اللازمة، وكان مهيع لقاء السفراء وتجهيز الجيوش. والمتخرجون من مدرسة المسجد النبوي هم الذين حموا البيضة، وراعوا الحوزة، وجمعوا القرآن، وأنشأوا الدواوين، وضربوا العملة، وفتحوا الأمصار، وشيدوا المدن وأوصلوا الإسلام إلى أقصى أقطار الدنيا.

لكن للأسف، فالمسجد في غينيا اليوم، قد أصبح محلا للتجارة بالدين، وفرصة لا تعوض لانتفاضة أهل الحقد والكراهية، ومرتعا خصبا لشن الهجمات والقطيعة والتدابر والتحاسد. كان من المفروض أن يكون نواة للنور، ومنارة للعلم، وملجأ للتزكية والتقرب إلى الله تعالى بالأقوال والأفعال والمبادرات الإنسانية الطيبة في سبيل البحث عن مرضاة الله.

الفرع الرابع، غياب الوعي في المؤسسة العرفية والقانونية:

فمن المدرك واقعا وعلميا وعمليا أن الديمقراطية[12] هي أحسن نظام تفطن إليه الإنسان في سبيل السيادة بنفسه، وانتخاب ولي أمره، والتعبير عما في خلده وكتابته ونشره، واتخاذ المواقف، وخلع الوالي. والشعب في النظام الديمقراطي ذو سيادة عالية، إذ لا يُسن القانون، ولا تشكل أجهزة الدولة، ولا تطبق الأفكار والأجندة والبرامج الوزارية والرئاسية إلا بعد استشارته وتوقيعه، سواء كان مباشرة أو تمثيلا، وذلك كله إن كان واعيا ومدركا لحقيقة ما يجري بالفعل.

للشعب تحت الدولة اللائكية العلمانية سندان قويان، وهما العرف[13] في علاقته بالتاريخ والتقاليد والعادات والذاكرة القومية، والقانون في علاقته بالعقل والتقنين والحيادية والصرامة الإجرائية. وهما اللذان يمكنهما أن يلعبا أدوارا ثقافية في صناعة الرأي والحدث وبلورة الموجود وتقليص الفوضى وتقرير النظام.

فالتشريع[14] الجيد هو الذي ينسجم مع روح الشعب في أعرافه، وهويته اللغوية، والثقافية، والمعرفية الفكرية، والبيئية، ويسن قواعد متينة للاقتصاد المنتعش، الذي بمقدرته الرفع من مستوى رغد العيش، غذاء وطبا وفنا وتعليما وصناعة وتقنية. وليس الذي يحابي الظلمة ويضفي عليهم طابع القداسة والهيمنة المطلقة، ويستشري داء البطالة والعجز في كيان شعبه وأمته.

فلذا، لن يستقيم التشريع الغيني ويتم نزاهته إلا بمراقبة الشعب بيقظة ووعي وعلم وحكمة. أي يقف على تله السيادي وعن كثَب ليشاهد مجريات الأمور، ويراقب ما يجري في كافة الكواليس. والشعب انطلاقا من مراقبة التشريع فعليه أيضا مراقبة البرامج الانتخابية، وقراءتها بدقة وفحصها وتمحيصها ثم مقارنتها والتصويت لأجودها ولأحسن ممثليها، مع اعتبار خُلق الممثل وثقافته، وانتقائه انتقاء نزيها وهادفا، ومبنيا على المصلحة العامة.

فالصالح في كل شيء يجب إبقاؤه واعتباره وتطويره وترويجه، والطالح يجب هدمه وإلغاؤه وتبديله باللائق النافع. فليس منطقيا أن يخضع المرؤ لكل الجاهزات العرفية الثقافية والمشروعات القانونية الإذعانية. ذلك لأن الديمقراطية جوهرها الحوار، ومبدأها النقاش، وغايتها التواصل والتجديد المستمر لوسائل وآليات بناء الصالح العام. فالرأي العام هو وحده الذي يمكنه تقرير المصير في التعددية المرجعية، وهو الذي يوجه بوصلة الصالح العام.

ومن مبادئ الحفاظ على الصالح العام في غينيا: حسن توزيع الخيرات، وصرفها إلى مظانها الإصلاحية بين المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية الآنية، دون نسيان للكيانات الاستشرافية المآلية. وإن حضور الوعي الجماعي يجب التخطيط له وبرمجته من قبل المثقفين والنخب والمؤطرين للأنشطة الاجتماعية من الإعلاميين والأكاديميين ووكلاء التربية المدنية.

الفرع الخامس، غياب الوعي عن الوازع الاجتماعي:

إن غياب القادة وأفول القوى المحركة للخير والصلاح بين الناس لمفسدة خطيرة. فكل مجتمع ليس من أبنائه من ينهض لترميم القديم الفاسد وبناء النافع الجديد والاستعداد لتطوير المستقبل فيه، فلا يمكنه أن يتقدم وينسلخ من عوائده السيئة بحال.

فالرجال هم الذين يمكن بهم تفعيل التغيير وتشييد الحضارات القوية الحارقة. ولقد شهدنا ذلك عبر قراءة تواريخ الأمم والشعوب الأوروبية والآسيوية والافريقية في كامل العصور. ولا فرق بين وطن وآخر إلا بالرجال من الملوك والرؤساء والعلماء والمفكرين الذين يسيدون بالوطن ويظهرون مقامه أمام الأوطان ويخلصونه من صفتي التأخر والدونية.

والدولة الضعيفة ناتجة عن مجتمع استهلاكي ضعيف وعاجز، لا يكاد يفرق بين الحاضر المتأخر عن الماضي المزدهر من تاريخه، بل هو جامد لا ينتج قيد أنملة من التقدم. وتلك هي صفة المجتمعات والأمم والشعوب الموجوعة المعرية المعطوشة المنعزلة التي تنجم عنها كل أنواع السلوب، من الرجعية والتلصص وقطع الطرق وبعث القلق ونشر الخوف والتوتر[15].

فالوعي عنصر سيكولوجي وفكري يساعد المتأمل على الرؤية بوضوح، رؤية علمية فكرية دينية ثقافية مساعدة على تغيير الحال وتربية روح المبادرة وترسيخ الفضيلة عند الفرد والجماعة. يترتب طبيعيا على الوعي النافذ، نمو الطاقة الإصلاحية وتجاوز الدونية، والقفز النوعي نحو المعالي في قمة معايير الخيال والجمال والجلال.

ولا يُرتأَى الوعي الغيني سليما ما لم يفد إلى مبادرات خيرة نافعة عامة. ويدعو إلى التنسيق والعمل الجماعي، وتدبير الكفاءات الفردية، والخبرات المعرفية، والأنشطة العلمية التي من شأنها أن تطور الأنماط السلوكية، وتربط بين الفكر والواقع؛ وبين المعايير الأخلاقية الجمالية الدينية والمدنية، وبين السلوك الاجتماعية اليومية القادرة على تقريب المسافة وردم الهوة بين الأفراد والجماعات، وتخلق الانسجام بين الأهداف الصحية والبيئية.

وأخيرا:

فحضور الوعي سلوك حضاري يتسم بطابع إعلان الحرب ضد الفساد السلوكي والأخلاقي، وبناء روح الإجماع والتفاهم والاتفاق على ما من شأنه أن يحمي الفرد الغيني وجماعته من الفرقة والفقر والمرض والمجاعة، ويضمن له الاستقلال الاقتصادي والكفاءة المعيشية، والقدرة على التعلم الراقي وحب الوطن وحماية المشترك الوطني مهما كانت درجته أو حالته الاجتماعية.

والأساس في التغيير الاجتماعي هو أن يتحرك المجتمع المدني بالشعب مع أجندة اجتماعية مدروسة ومتقنة قصد تغيير الوضع وتقرير المصير. وأن ترتب تنسيقات توعوية تدعو إلى حماية البيئة والمشترك العمومي، ويجبر الجهة الحاكمة بالتمثل بمبادئها البرمجية، في تدبير الاقتصاد وتحسين العمران والإصلاح بين أفراد المجتمع.

والعائق المستعصي في السياق الغيني يتعلق ذاتا بالطابع العرقي الذي يسود البلاد، والذي يستخدمه السائس في تمرير برامجه الغائية، ومصالحه الفردية المعادية للصالح العام. فلهذا، فلا بد من استئصال مسالك التشنج القبلي، والضعف الإداري، والتكتل الشعبي، والتعصب الديني لبناء سياج نهضوي مستدام[16].

يجب تطبيق القانون على الموظفين ورجال الدولة أولا، بموجب قانون استقلالية القضاء، والانفصالية بين السلطات المنصوص عليهما في الدستور، ثم تعميم تطبيق القانون بدون انحياز ولا محاباة على جميع أفراد الشعب حتى يتوازن الوضع.

[1]ـ مقال Melinda Fowler “حين تركنا والدي وأنا لا أزال طفلة صغيرة“، المنشور عبر موقع scarymommy.com، تمت المراجعة في 12 فبراير 2020.

[2] ـ رواه مسلم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (رواه أبو داود والترمذي).

[3] ـ حنان، الشرفاء. دور المدرسة في تنمية المجتمع، مجلة التنمية البشرية 07/ ديسمبر/ 2020م.

[4] ـ حنان، الشرفاء. دور المدرسة في تنمية المجتمع، مجلة التنمية البشرية 07/ ديسمبر/ 2020م.

[5] ـ النظام التعليمي في الصين، مجلة حول العالم.

[6] ـ ميرفت، الخطيب. البحث العلمي طريق نحو النهضة والتنمية المستدامة، صحيفة ملاحق خليج، 6/سبتمبر/2015م.

[7] ـ اخلاص، محمد عبد الحي. المناهج التعليمية : سمات يجب توفرها لمواكبة العصر الحالي، مجلة أخبار وأفكار تقنيات التعليم.

[8] ـ انظر، شكيب أرسلان. لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ مؤسسة هنداوي سي آي سي 2017م. من صفحة 37 إلى 50.

[9] ـ محمد عبد الله، دراز. كتاب (الدين) ـ دار القلم ـ الكويت، ص 82.

[10] ـ الأعرجي، زهير. دور الدين في الحياة الإحتماعية، 14/ أبريل/ 2015، الموسوعة الإسلامية.

[11] ـ التخطيط الاستراتيجي هو عبارة عن تخطيط بعيد المدى، ويأخذ هذا التخطيط في الاعتبار جميع المتغيّرات الخارجيّة والداخليّة، ويقوم بتحديد جميع الشرائح والقطاعات المستهدفة،إضافةً لطرق المنافسة.

(Anthony Taylor (16-1-2018), “What is the strategic planning process. Retrieved 19-7-2018. Edited.)

[12] ـ تُعرَّف الديمقراطية اصطلاحاً بأنّها نظام الحُكم، حيث تكون السلطة العليا بيد الشعب.

[13] ـ يُعَرَّفْ الفقه الحديث العرف بأنه عبارة عن مجموعة القواعد التي نشأت من تكرار إتباعها بصفة مُلزِمة من جانب أعضاء المجتمع لتنظيم العلاقات بينهم بعد أن ثبت في اعتقادهم بأنها تتمتع بوصف الإلزام القانوني ويتوفر فيها عنصر الجزاء عند مخالفة أحكامها. (الموسوعة السياسية).

[14] ـ «L’institution judiciaire guinéenne connaît une crise profonde qui met en évidence l’inadéquation patente de tous les référents ou modèles judiciaires de stricte inspiration occidentale». (Droit et Société, Demande de justice et accès de droit en guinée (. Kéfing Konde, Camille Kuyu, Étienne Le Roy.  يتحدث المقال عن أزمة المرجعية القانونية في غينيا.

[15] ـ ـ دارن اسيموجلوا و، جيمس أ. روبنسون. لماذا تفشل الأمم أصول السلطة والازدهار والفقر، دار عثمان بن عفان، القاهرة، 2015م. لم أنقل منه، بل أشير إليه لأنه كتاب في غاية الأهمية.

[16] ـ فوزي، سامح. المواطنة، مركز قاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2007م. هو بحث في 76 صفحة تعبر بوضوح عن قيم المواطنة الراشدة.

Rate this post

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى