الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

نحو اتفاق نووي جديد

اعداد : محمود البازي – كاتب متخصص بالشؤون الإيرانية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تتجه الأنظار مرة أخرى نحو مدينة فيينا حيث تُعقد الجولة الثامنة للمفاوضات النووية بين كل من إيران والترويكا الأوربية وروسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. تعتبر هذه الجولة من المفاوضات حساسةً للغاية، إذ أنها تأتي بعد توقف استمر لمدة 11 يوم يُعتقد فيها أن الأطراف قد حصلت على التفويضات السياسية اللازمة للتوصل إلى تفاهمات تمهد للإعلان عن اتفاق خلال الأسابيع القادمة. يجب القول بأن هناك العديد من المؤشرات الدولية التي تشير إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتفاوضة. أهم هذه المؤشرات تمثلت بمحادثات شاملة أجراها روبرت مالي مع جميع الدول الخليجية لاطلّاع الحلفاء الإقليميين على نتائج مباحثات فيينا.

المؤشر الثاني على قرب الاتفاق هو اختلاف بين الرواية الأمريكية والإسرائيلية حول الاتصال الهاتفي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي “نفتالي بينيت” وبين الرئيس الأمريكي جو بايدن. حيث ادعى “بينيت” بأنه وبايدن اتفقا على عرقلة البرنامج النووي الإيراني كما أن الأخير أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل للتصرف بشكل منفرد. بينما لم يشر بيان البيت الأبيض إلى هاتين النقطتين وإنما أكد البيان الأمريكي على التعهد بحماية إسرائيل وضمان إمدادات القبة الحديدية الإسرائيلية. وكذلك يمكن الإشارة إلى زيارة مستشار الأمن القومي الإسرائيلي “إيال هوتا” إلى واشنطن للاجتماع بنظيره الأمريكي “جيك سوليفان” حيث تعتبر هذه الزيارة امتداداً للاتصال الهاتفي بين بايدن وبينيت وذلك للتنسيق ومعرفة تفاصيل أكثر حول الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران.

المؤشر الثالث هو الاستقالات التي حثت في صفوف الفريق الأمريكي المفاوض والتي شملت كل من نائب المبعوث الأمريكي الخاص بشأن إيران، ريتشارد نيفيو، الذي استقال في ديسمبر الماضي، كما  تركت كبيرة المستشارين في مكتب الرقابة على التسلح ضمن الخارجية الأمريكية، أريان طباطبائي، منصبها في الوفد التفاوضي. وقد جاءت هذه الاستقالات نتيجة الخلاف حول الآليات التي يجب اتباعها في الملف النووي الإيراني ويبدو بأن رؤية روبرت مالي القائمة على إمكانية الوصل إلى اتفاق سريع مع إيران هي الغالبة حالياً في هذا الملف بالنسبة للرئيس الأمريكي جو بايدن.

المؤشر الرابع هو الإعفاءات النووية التي قدمتها الولايات المتحدة لإيران. وعلى الرغم من أن إيران قالت بأن هذه الخطوة هي خطوة سياسية وتحتاج لخطوات أكثر لإظهار حسن النية الأمريكية، إلا أن هذه الإعفاءات تشير إلى المناخ الإيجابي الحاكم في فيينا.

على الضفة المقابلة، يقود الجمهوريون جهوداً مكثفة لعرقلة التوصل إلى اتفاق مع إيران. حيث أرسل 30 سناتوراً أمريكياً من مجلس الشيوخ رسالةً مفتوحةً إلى جو بايدن يطالبونه بأن تخضع العودة الأمريكية إلى الاتفاق النووي إلى تصويت مجلس الشيوخ. ولتقييم فعالية هذه الجهود يجب القول بأنّ مهندس الاتفاق النووي الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” تعرض لضغوط مشابهة آنذاك، وهذا ما دفعه إلى اختيار أن يكون الاتفاق النووي مجرّد عقد دولي متعدد الأطراف دون السعي إلى تحويله إلى اتفاقية أو معاهدة تحتاج لتصديق من مجلس النواب أو مجلس الشيوخ. وعليه فإن جو بايدن لا يحتاج موافقة مجلس الشيوخ أو مجلس النواب كي يمضي قدما بالعودة إلى الاتفاق النووي وذلك أن العودة إلى هذا العقد تتطلب منه “أمراً تنفيذياً” وحسب.

ونظراً لشح التصريحات التي تتعلق بماهية الاتفاق النووي أو النقاط الفنية لهذا الاتفاق فإنّ كل ما يقال اليوم حول بنود الاتفاق أو آلية العمل به تنحصر في دائرة التوقعات. ولكن ما نحن متأكدون منه هو أن ما يتم التفاوض عليه اليوم في فيينا هو “اتفاق جديد” يختلف عن اتفاق 2015 من حيث الشكل والأبعاد أو يمكن أن يًطلق عليه بالاتفاق المصغر لاتفاق عام 2015. هذا الاتفاق الجديد يأتي نتيجة اختلاف الظروف الفنية والسياسية والاقتصادية لكلا الطرفين بين العام 2015 إلى العام 2022. هذا الأمر الذي يجعل العودة إلى اتفاق 2015 أمراً شبه مستحيل.

فمن الناحية الفنية، بموجب اتفاق 2015، قامت إيران بالتخلص من 98% من اليورانيوم المخصب ويجب أن ينحصر مقدار اليورانيوم المخصب بحدود 300 كليوغرام إلى العام 2031. خفضت إيران بموجب الاتفاق عدد أجهزة الطرد المركزي بنحو الثلثين وهي احتفظت بخمسة آلاف جهاز طرد مركزي قديم وتخلصت من 15 ألف جهاز طرد مركزي وبموجب بنود الاتفاق، على إيران الالتزام بهذا البند بحلول 2026.

كما وافقت إيران على عدم تخصيب اليورانيوم بأكثر من 3.67 في المائة وتعهدت بعدم بناء منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم أو مفاعل جديد للطاقة الكهرومائية. ستقتصر أنشطة تخصيب اليورانيوم على مبنى واحد يستخدم أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول لمدة 10 سنوات. كما كان من المقرر أن يتم تحويل المنشآت الأخرى وفقًا للبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية لتجنب خطر الانتشار النووي. لمراقبة تنفيذ الاتفاق من قبل إيران والتحقق منه، يجب أن تتمتع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بوصول منتظم إلى جميع المنشآت النووية الإيرانية.

دون الخروج من الاتفاق النووي، أعادت إيران اليوم تفعيل جميع منشآتها النووية (نطنز، أراك وكرج وأصفهان وغيرها من المنشآت). كما ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2021 أن إيران قامت بحقن الغاز في جهاز طرد مركزي متقدم لزيادة تركيز اليورانيوم لديها من 20 في المائة إلى 60 في المائة. وبحسب رويترز فإن جهاز الطرد المركزي هو من طراز IR-6 ولم تجمع إيران المنتج النهائي بعد حقن الغاز فيه.

وتضاف أجهزة الطرد المركزي التي تعمل بالحقن بالغاز إلى مجموعة من أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي تم تركيبها في منشأة نطنز، والتي تقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة منذ شهور. وبحسب التقرير السري الذي يصدر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي يصدر كل 3 أشهر، فإن مخزون اليورانيوم المخصب في إيران حتى 6 تشرين الثاني (نوفمبر) يقدر بـ 2489.7 كيلوغرام، وهو أكثر بعدة مرات من الكمية المحددة في اتفاقية 2015 مع القوى العالمية. وبحسب التقرير الذي ذكرت تفاصيله “وكالة فرانس برس” للأنباء، فإن هذه الكمية تشمل حاليا 113.8 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 20٪. هذا بينما كانت الكمية 84.3 كيلوغرام في سبتمبر 2021. وبحسب التقرير، فإن كمية اليورانيوم التي تخصبها إيران بنسبة 60٪ هي الآن 17.7 كيلوغرام، والتي كانت في السابق 10 كيلوغرامات فقط.

كما قامت طهران بتقييد الرقابة على برنامجها النووي وحدّت كذلك من الوصول المفتوح الذي تمتع به مراقبو الوكالة الدولية للطاقة الذرية طوال سنوات الاتفاق النووي.

إن التطور الفني الذي شهده برنامج إيران النووي جاء كورقة ضغط بيد الإيرانيين في المفاوضات مع الولايات المتحدة. ومن المستحيل اليوم أن تطالب الولايات المتحدة إيران بالعودة إلى اتفاق 2015 وتدمير مخزونها من اليورانيوم المخصب أو تدمير أجهزة الطرد المركزي المتطورة من نوع “IR-6”. وهذا سيخلق بالتأكيد تغيّراً مهماً على الناحية الفنية للاتفاق الجديد قد يؤكد على حق إيران بالتخصيب ضمن حدود 20% مع رقابة كاملة لوكالة الطاقة الذرية على المنشآت النووية الإيرانية. وأما عن المخزون الذي حصلت عليه إيران خلال المدة السابقة فإما سيتم نقله إلى روسيا أو الاحتفاظ به في إيران تحت رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه العملية ستقدم لإيران أيضاً ضمانة عملية من ناحية أنها تستطيع العودة إلى تخصيب اليورانيوم من النقطة التي وصلت إليها إذا ما قررت الولايات المتحدة نقض الاتفاق الجديد أو الانسحاب منه.

من الناحية السياسية، لقد جاء الاتفاق النووي لعام 2015 في سياق خطة أمريكية كاملة لتحقيق اختراقات في الخلافات مع إيران. ما كان يسعى إليه أوباما هو أن يكون هناك توافقات لاحقة للاتفاق النووي تشمل ملف الصواريخ البالستية الإيرانية وملف التدخلات الإيرانية الإقليمية وملف حقوق الإنسان. إن الانسحاب الأحادي الجانب الذي أقدم عليه ترامب في مايو 2018 قطع هذه السلسة وجعل إيران بعيدة كل البعد عن المعسكر الغربي. كما كان هذا الانسحاب عاملاً مهما من العوامل التي ساهمت بسيطرة الأصوليين المتشددين على كافة دوائر صنع القرار في إيران. وهذا سنعكس بصورة واضحة على حجم التنازلات التي يمكن الحصول عليها من الفريق الإيراني المفاوض والذي كان ينظر إلى الاتفاق النووي على أنه خسارة محضة لإيران.

من الناحية الاقتصادية، أي صيغة ستتوصل لها الأطراف في فيينا سينتج عنها اتفاق جديد ومؤقت حتماً. ما أقصده بالاتفاق المؤقت ليس المدة الزمنية وإنما النتائج الإيجابية التي تتوقعها إيران من الاتفاق مع الولايات المتحدة. السبب هو وجود احتمالية لانتصار الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 في الولايات المتحدة. كما لا توجد أي ضمانة يمكن أن يقدمها بايدن لإيران لضمان دخول الشركات الأجنبية للاستثمار في إيران. النتائج التي ستحصل عليها إيران مقتصرة على 1) إمكانية تصدير النفط 2) رفع توقيف الأموال الإيرانية المجمدة 3) إمكانية التعامل البنكي دون الحصول على (رمز سويفت).

بصراحة لن تحقق هذه النتائج تطلعات إيران الاقتصادية وذلك لأنها تقوم بالفعل بتصدير النفط عبر الالتفاف على العقوبات. وقد بلغت صادرتها ما يقارب مليون و200 ألف برميل يومياً. والأموال المجمدة ليست بالمبالغ الضخمة التي يمكن لإيران من خلالها ترميم الاقتصاد أو تحقيق التنمية الاقتصادية. والتعامل البنكي دون رمز سويفت لا فائدة منه لإيران لأنها تريد أن تدخل في الشبكة البنكية العالمية. كما أن العقوبات الفرعية التي تفرضها الولايات المتحدة تحت بند “قائمة الرعايا المعينين خصيصا والأشخاص المحظورين” (SDN) على شخصيات سياسية واقتصادية فاعلة ومؤثرة في إيران تحول دون تحقيق هذه الأهداف الاقتصادية.

كما أن الشركات الأجنبية لن تدخل السوق الإيرانية أبداً لأنها مهددة بأنه من الممكن بعد إنفاق مليارات الدولارات في السوق الإيرانية، يأتي الجمهوريين وينسحبوا مرة أخرى من الاتفاق وتعود العقوبات على هذه الشركات. على سبيل المثال تضررت شركة توتال الفرنسية المختصة بالاستثمار في حقول النفط أكثر من 40 مليون دولار بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. وخرجت توتال بسرعة من إيران. ولا يقتصر هذا الأمر على الشركات الغربية أو الأمريكية فحسب، بل إن الشركات الصينية انسحبت من إيران ولم تنفذ تعهداتها بسبب مخاوف من الدخول في القائمة السوداء الأمريكية.

كما يؤكد بعض المنظرون الاقتصاديون المعروفون في إيران كسعيد ليلاز (أستاذ في جامعة شهيد بهشتي) على أن تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيران ذات تأثير جانبي وأنه خلال السنوات التي أعقبت انسحاب ترامب من الاتفاق النووي فإن الاقتصاد الإيراني استطاع ترميم نفسه بعيداً عن سوق النفط. ويؤكد “ليلاز” كذلك على أنه حتى في حال رفع العقوبات عن إيران فإن عائدات النفط لن تساهم بالنمو الاقتصادي الإيراني سوى لعام واحد. ويركز بعض علماء الاقتصاد على أن المشكلة الرئيسية في الاقتصاد الإيراني هي انتشار الفساد الممنهج وتوزيع الريع بين الطبقات العليا وعدم الكفاءة في إدارة الموارد غير النفطية.

خلاصة :

ما يجعل الاتفاق على بنود جديدة في فيينا في متناول اليد، هو إدراك الأطراف المتفاوضة بأن الحلول البديلة هي حلول خطيرة للغاية. فالمفاوض الإيراني يدرك بأنّ عدم التوصل إلى اتفاق يعني عودة إلى العقوبات الأممية التي فرضها مجلس الأمن على إيران تحت الفصل السابع قبل عام 2014، وهي عقوبات قاسية وشاملة. كما أنّ هذه الحالة من الممكن أن تدفع الأطراف الأخرى كإسرائيل إلى شن هجمات مباشرة ضد مواقع إيرانية. والطرف الأمريكي كذلك يدرك بأن عدم التوصل إلى اتفاق في ظل انعدام الرغبة أو القدرة على خوض حرب مباشرة مع إيران يعني في الحد الأقصى إعادة فرض العقوبات على إيران مع إمكانية توصل إيران إلى القنبلة النووية خلال أشهر قليلة، وهذا ما يجعل المنطقة والعالم بأسره أمام قوة نووية جديدة. كما يمكن أن تدفع هذه الحالة الدول الإقليمية الكبرى كتركيا والسعودية إلى سباق تسلح نووي جديد.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى