الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الشباب الفلسطيني والمشاركة السياسية أزمة ثقة وضعف فرص

بقلم : علا مرشود – صحفية وباحثة في دراسات الشرق الأوسط الجامعة العربية الأمريكية، فلسطين

  • المركز الديمقراطي العربي

 

على الرغم من أن المجتمع الفلسطيني مجتمع شاب وجزء من مجتمع شاب أكبر هو العالم العربي ناهيك عن مستوى الوعي السياسي المرتفع لدى الشباب وكافة الفئات من أطفال وكبار سن، لخصوصية الحالة الفلسطينية التي تعاني من وجود احتلال منذ سنوات طويلة أدت لوجود حالة من النضال المتواصل ضده كان يقودها الشباب على مدار هذا الصراع الممتد منذ بداياته وحتى الانتفاضتين وصولًا إلى اليوم، إلا أن المتطلع على الوضع السياسي لهذا المجتمع يجد أن المشاركة السياسية لفئة الشباب فيه محدودة.

ومحدودية هذه المشاركة في صنع القرار السياسي يقف وراءها عدة عوامل تتفاوت فيما بينها وترجع إلى عوامل متعلقة بالظروف السياسية في المجتمع الفلسطيني، المتمثلة بالانقسام، والتشتت داخل وخارج فلسطين الناتج عن الاحتلال، وعدم وجود دولة حقيقة تمتلك السيادة الواقعية على الارض، إضافة إلى عدم إفساح المجال للشباب ليكونوا جزءًا من عملية صنع القرار سوءً على مستوى المجلس الوطني والمجلس التشريعي أو حتى في الأحزاب.

وقبل التعمق أكثر في أسباب وعوامل ضعف المشاركة السياسية للشباب في الجتمع الفلسطيني علينا أولًا أن نوضح، ما هي المشاركة السياسية؟

أولًا: المشاركة السياسية معناها والعوامل المؤثرة عليها

إن المشاركة السياسية يقصد بها اهتمام المواطنين بالمسائل السياسية بمجتمعاتهم ولعب دور في الحياة السياسية ويمكن القول أن المشاركة السياسية هي مبادرة الفرد أو المواطن بالمشاركة في أعمال تطوعية تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على صنع القرار فيه ويشمل ذلك اختيار السياسات واختيار القادة السياسيين والتصويت إضافة إلى المساهمة في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

ومن الواضح والملاحظ أن عملية المشاركة السياسية إنما هي نتيجة ومحصلة للتنشئة السياسية ويقصد بذلك مؤثرات البيئة التي يعيش بها الفرد منذ الطفولة وحتى الشباب بدًء من الأسرة وصولًا إلى المجتمع الأكبر من المدرسة والجامعة والمؤسسات الحكومية والغير حكومية مما ينعكس ذلك على اتجاهاته الفكرية وتوجهاته السياسية، فتعتبر التنشئة السياسية من أهم العمليات المؤثرة في تكوين وتطوير السلوك السياسي التي تدفع الفرد للمشاركة في الحياة السياسية أو عدم المشاركة فيها.

وإن عملية التنشئة السياسية القائمة للشباب والتي تنتقل عبرها الثقافة السياسية والتي تمر بعدة دوائر تربوية وتوعوية وتعليمية، تحتوي على مدخلات سلبية تؤثر على تراجع مظاهر المشاركة السياسية القائمة للشباب.

إن عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية للثقافة السياسية الفلسطينية، تبـدأ بالأسـرة مـرورًا بالمؤسسات الاجتماعيـة الأخـرى مثل: المؤسسات الدينية والتعليمية انتهـاء بوسائل الاتصـال الجماهيري مـن إذاعـة وصـحافة وتليفزيون، كل هذه المؤسسات التي اصطلح على تسميتها بمؤسسات التنشئة التي تغرس قيمًا مثل الطاعة والخضوع والقبول لدى البعض، وقيم الحكم لدى البعض الآخر.

ثانيًا: المشاركة السياسية جوهر الديمقراطية

ومما لا شك فيه أن المشاركة السياسية تمثل جوهر الديمقراطية، وتعتبر دليل ومؤشر واضح عليه، فالنظام الديموقراطي هو النظام الذي يشارك فيه الفرد في الحياة السياسية وفي صنع القرار السياسي في الدولة وفي اختيار قادته بإرادته، ويستطيع التعبير عن رأيه في مختلف القضايا بل ويؤثر على السياسيات الخاصة بها.

أما عن آليات المشاركة السياسية، فهي تنقسم إلى قسمين:

  • المشاركة السياسية بالنشاط التقليدي، مثل الانتخاب والتصويت والترشح وحضور الندوات وإجراء النقاشات العلنية ومتابعة الأحداث وغيرها من الأنشطة الرسمية.
  • المشاركة السياسية غير المألوفة مثل التظاهر والاضراب وتقديم الشكاوى.
  • الآلية المستحدثة المتمثلة في تطور آليات الاتصال والتواصل والثورة التكنولوجية التي نتج عنها ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية التي أسهمت بشكل كبير في خلق ميدان جديد للمشاركة السياسية والتأثير في صنع القرار ورسم السياسات والتي ظهر دورها بشكل جلي من خلال ثورات الربيع العربي.

حسب القانون الفلسطيني فإن جيل الشباب يبدأ من سن 18 عام وحتى سن الـ 35 عام وتشير الاحصاءات أن الشباب في المجتمع الفلسطيني من سن 15 عام حتى 29 عام يمثلون نسبة 29,6% من إجمالي السكان وللشباب سمة مهمة فهو اجتماعي بطبعه، وهذا يعني الميل الطبيعي للانتماء لمجموعة اجتماعية يعطيها وتعطيه، إلا أن هذه الشريحة في المجتمع الفلسطيني تواجه العديد من المعيقات المجتمعية والسياسية.

ثالثًا: أزمة ثقة بين القيادة والشباب

ولطالما كان لفئة الشباب دورًا بارزًا في عملية البناء الديموقراطي والنضال الوطني الفلسطيني فمنذ الخمسينيات والستينيات شكل الشباب نواة القوى الفلسطينية واستمر دورهم في البروز فقاد الشباب العمل الفلسطيني حتى اليوم.

إلا أن استمرار القيادات نفسها التي تسلمت دفة القيادة في شبابها على رأس السلطة حتى اليوم شكل العقبة في وجه شباب اليوم، ويتصدر المشهد السياسي الفلسطيني وجوه هي نفسها منذ أعوام طويلة فتجد اجتماعات القيادات أصغر حاضريها عمرًا تجاوز الـ 60 عامًا.

ورغم أن شهداء الانتفاضة الأولى كانوا من الشباب ومعتقليها من الشباب وقيادتها الموحدة أيضًا من الشباب، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرًا على واقع القيادة السياسية التي تهيمن عليها مجموعة من كبار السن وتهمش ضرورة ودور الشباب فيها، لكن الانتفاضة ساهمت بشكل كبير في رفع الوعي السياسي لدى كافة أفراد المجتمع والشباب منهم خصوصًا، ما خلق حالة من الاندفاع تجاه الانخراط في الأحزاب السياسية المختلفة لدى الشباب كنوع ودليل على رفض القيادة التقليدية.

رابعًا: الفئوية والانقسام عقبة في وجه الشباب

ولا يمكن لأحد أن يغفل حقيقة أن مفاوضات مدريد سنة 1991 واتفاقية أوسلو سنة 1993 والتي نتج عنها السلطة الفلسطينية، كلها جاءت نتيجة لحالة النضال الشعبي الفلسطيني في الانتفاضة الأولى عام 1987، ما يعني أن هذه السلطة قامت على تضحيات الشباب الفلسطيني في الضفة وغزة، ثم لم تعط الشباب أكثر من دور هامشي في مؤسساتها فسيطرت القيادات الوافدة على القيادات الأمنية والسياسية وأُعطي الشباب المهام الادارية وأمنية صغيرة دون إشراكهم في مؤسسات صنع القرار.

وما زاد الأمر صعوبة على الشباب فيما يتعلق بالمشاركة السياسية، الشارع الفلسطيني وما يخيم عليه من فئوية وانقسام وانتشار لثقافة الحزب الواحد وعدم تقبل الآخر أو إشراكه في الحيز العام، بدًء من الحيز الاجتماعي وصولًا إلى السياسي وحتى الإداري المتمثل في مؤسسات السلطة.

ومما سبق نستنتج ضرورة أن يسعى الشباب بأنفسهم للتغيير وتحسين أوضاعهم وتحصيل حقوقهم في المشاركة السياسية والمجتمعية من خلال عدة مهام على النحو التالي:

  1. الاستمرار في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
  2. العمل على تعزيز الوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الفلسطيني.
  3. العمل على إيجاد برنامج سياسي فلسطيني موحد.
  4. تشكيل رؤية فلسطينية مستقبلية.
  5. المشاركة في الفعاليات الوطنية الرسمية.
  6. خدمة المجتمع.

خامسًا: مؤشرات الانتخابات الفلسطينية

منذ توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة سنة 1993 خاض الشعب الفلسطيني الانتخابات مرتين، في العامين 1996 – 2006 ورغم أن التجربتين لم يكن للشباب نصيب منهما كمرشحين أو كصف أول في القيادة السياسية إلا بنسبة محدودة جدة تمثلت بفوز مرشحين فقط أصغر من 30 عام في الانتخابات الثانية، إلا أنها شهدت دور ميداني فاعل للشباب ما يؤكد حقيقة أن المجتمع الفلسطيني مجتمع شاب ولكن الضعف يمكن في المؤسسات السياسية الرسمية.

وجود تشريعات قانونية تضمن للشباب تمثيل ديموقراطي ضمن القوائم قد يساهم في حل المشكلة، حيث أن نظام الانتخابات الفلسطيني الذي يجمع بين نظام القائمة ونظام الانتخابات الفردي أثبت أنه لا يناسب الشعب الفلسطيني الشاب، فهو يعتمد على شخصيات قيادية مضمونة للبرلمان وخبرات المرشحين ومكانتهم الاجتماعية الميزات التي لا يمكن لها أن تتوفر في الشباب.

هيمنة كبار السن على قيادة الأحزاب والاجراءات الحزبية المتمثلة في:

  1. عدم وجود هيكليات تنظيمية.
  2. عدم وجود أماكن محددة للشباب.
  3. عدم وجود انتخابات داخلية للأحزاب.
  4. الانقسامات الداخلية للأحزاب.
  5. وجود قيادات تاريخية أدت إلى تحييد الشباب.
  6. محدودية البرامج السياسية للأحزب وعدم أخذها بالاعتبار مطالب الشباب والتحولات السياسية.
  7. انتشار ظاهرة الفساد السياسي.
  8. اعتبار أعضاء الأجهزة الأمنية أنهم الثورة الوطنية وعلى الآخرين الخضوع لهم.
  9. تجربة السلطة الفلسطينية التي تفتقر إلى التعددية الحزبية وتقبل الاختلاف واحترام الرأي والرأي الآخر.
  10. ترسيخ الثقافة العشائرية بعد ظهور السلطة نتيجة ديوان العشائر ما أدى إلى وجود جماعات المصالح وغياب الشفافية.

سادسًا: معيقات المشاركة السياسية للشباب

هناك العديد من المعوقات التي تحول دون إتمام عملية المشاركة الساسية للشباب، منها:

  1. عدم وجود تشريعات خاصة بالشباب وبمشاركتهم السياسية.
  2. عدم وجود مقررات مالية لدعم أنشطة الشباب.
  3. ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب.
  4. وجود عامل الهجرة بين جيل الشباب إلى الدول الغربية.
  5. انتشار الأمراض الاجتماعية بين جيل الشباب مثل المخدرات والعنف.
  6. كلما انخفض المستوى التعليمي انخفضت نسبة المشاركة السياسية.

إضافة إلى معوقات أخرى خاصة بالحالة الفلسطينية تؤثر على عملية المشاركة السياسية مثل:

  1. تشتت الشعب الفلسطيني في الداخل و في الخارج
  2. عدم وجود دولة فلسطينية ذات سيادة
  3. عدم وجود دستور الأمر الذي يعني عدم وجود نظام سياسي فلسطيني يشمل جميع الفلسطينيين.
  4. عدم وجود سيادة فلسطينية على الأرض، وهو ما يعني عدم سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية على الموارد الطبيعي.
  5. عدم استقرار نظام الحكم في فلسطين.
  6. وجود تعددية حزبية وسياسية بشكل يؤدي إلى محدودية التنمية.
  7. عدم اكتمال السلطة الوطنية بسبب غياب السيادة والاستقلال والقيود المفروضة على السلطة وحالة التشرذم الحزبي، والاستقطاب السياسي.

أما عن آليات مشاركة الشباب في النشاطات التنموية السياسية من أجل تحقيق المشاركة السياسية الفاعلة للشباب لابد من وجود مجموعة من الآليات منها:

  1. لا بد من وجود مجموعة من التشريعات التي تقرر حقوق وحريات الشباب.
  2. وجود مؤسسات يقوم الشباب من خلالها ممارسة نشاطات فكرية وإبداعية، ويشرف عليها الشباب أنفسهم.
  3. لا بد من وجود عملية تنمية حقيقة في الدولة.
  4. العمل على إزالة المعيقات والتي تحول دون مشاركة الشباب.
  5. أن تعكس عملية التنمية في السلطة أولويات الشباب.
  6. وجود دعم حكومي لمشروعات الشباب.
  7. العمل على وجود برامج وأنشطة خاصة بقضايا التمكين وبناء القدرات.
  8. أن تكون لبرامج التدريب وعمليات المشاركة مردودات ملموسة.
  9. أن يتسم عمل المؤسسات الخاصة بالشباب بالشفافية.

وفي الختام، نخلص إلى حقيقة مفادها أن المجتمع الفلسطيني مجتمع شاب وهذا المجتمع مسيس بطبعه ونسبة وعيه السياسي مرتفعة نتيجة للحالة الخاصة التي يعيشها من وقوعه تحت الاحتلال لسنوات طويلة، كان للشباب فيها الدور الرئيسي والبارز في النضال ضد الاحتلال لكن هذا الدور النضالي لم يتماهى مع الدور السياسي فكانت المشاركة السياسية للشباب ضعيفة وخاصة بعد أوسلو وتشكل السلطة الفلسطينية، التي ظن الشباب أنها ستتيح لهم المجال للمشاركة السياسية إلا أن ما حدث هو العكس، وساهم في هذا الضعف أيضًا أزمة الحزب الواحد والفئوية والانقسام الفلسطيني ورغم خوض المجتمع الفلسطيني للانتخابات مرتين إلا أن دور الشباب فيها كان التنافس والاقتتال فلم تتوفر لهم الفرص الحقيقية للابداع

5/5 - (3 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى