الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

سيادة التضليل وتضليل السيادة

بقلم : د. ماجد حميد خضير/ استاذ السياسة الخارجية والفكر السياسي – جامعة النهرين 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تعرف السيادة بانها قدرة الدولة على احتكار العنف وفرض القانون والنظام في اطار مجتمعها الداخلي والقدرة على اقامة علاقات وعقد اتفاقيات دولية مع اشخاص القانون الدولي العام بما يحقق مصالحها المتعددة الابعاد. ومن ثم نشأت السيادة في اطار ترافق مع ظهور الدولة القومية في العصر الحديث منذ معاهدة صلح ويستفاليا في عام ١٦٤٨ م . العهد الجديد للدولة القومية كان قد بدأ بادارة العلاقات الدولية بما يتناسب مع المتغيرات الدولية التي نشأت انذاك وهي مغادرة الحدود القيمية في التفكير الديني السائد آنذاك والذي تسبب في حروب دينية متعددة واشهرها حرب الثلاثين عامًا التي خلفت الاف الضحايا من كل الاطراف المتحاربة وبدأت الدول تعيد تركيب تفكيرها باتجاه وضع المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقومية في منظور أيديولوجي مغاير للمراحل التي كانت عليها العلاقات الدولية في مرحلة الامبراطوريات ومن ثم كانت الدولة القومية ان وضعت قواعد جديدة وقوانين جديد ذات بعد دولي خصوصا في مجالات ادارة البحار وتصدير واستيراد الموارد الاولية وذلك تلافيًا لحدوث تصادمات إيديولوجية يكون سببها رؤية الدول لسيادتها من منظور البعد الواحد وهو البعد القومي المؤدلج والذي ينظر للحقائق من زاوية واحدة فقط .

وقد مرت مفردة السيادة بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عدة تختلف من دولة لاخرى فضلا عن نسبية القوة التي تملكها الدولة بالمقارنة مع مثيلاتها من الدول الاخرى والتي توفر لها تحقيق شرطي السيادة في المجالين الداخلي والخارجي ومن ثم اتسعت مصالح الدول ووزنها السياسي الدولي بشكل طردي مع وزن قوتها ناهيك عن التحولات التي غيرت من المنظور التقليدي للقوة فلم تعد تلك القوة الصلبة التي تعني قدرة الدولة على انتاج الاسلحة التي تحقق الحسم العسكري واتساعها الى فضاء رحب وهو ان القوة هي امكانية فرض الدولة لرغباتها وممارسة التاثير على الاخرين لتحقيق مصالحها بالوسائل المناسبة فهي قوة عسكرية واقتصادية وهي قوة صلبة وناعمة في الوقت نفسه ، انها قوة متى ما اريد انفاذها وبالوسائل المناسبة والمتاحة.

إذًا وفقًا لما تقدم فإن النسبية هي حالة دائمة ومنطقية سواء في مستوى استحضار مكونات القوة لأية دولة فضلًا عن النسبية التي هي حالة اساس في القوة التي تعد مكون مهم في وزن الدولة وان حالة التغيير والتحول هي حالة راسخة وطبيعية عبر التاريخ ومن ثم ووفقًا لهذا المنطق فإن ادراك صناع القرار لهذه التحولات في المجالين السابقين ومحاولة تغليب لغة العقل وعقلانية التفكير في التحولات الستراتيجية التي يمر بها النظام السياسي الدولي المعاصر يعد عنصر قوة مضاف للدولة.

والعكس صحيح إذا ما عد اكثر من ذلك اذا ما وصفنا مصادرة التفكير العقلاني نحو تغليب البعد السياسي في الحديث عن المفهوم الجامد للسيادة بعيدًا عن منطق العقل والحكمة وحساب مصلحة الدولة في التواصل مع مثيلاتها من الدول الاخرى وخصوصا الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية التي تملك الكثير من مفاتح الحل في الكثير من الازمات الدولية فهي لا تستطيع حل كل تلك الازمات لكنها في الوقت نفسه فإن وجودها ومشاركتها في ايجاد حلول بالتأكيد ستضفي عليها واقعية اكثر واهمية اكبر .

ان هناك الكثير من المصالح المشتركة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية والتي لا يمكن تجاهلها واختزالها في المنظور الايديولوجي وحشرها في زاوية ضيقة وتناسي مستوى نفوذها لدى الكثير من الاطراف الدولية بما يتناسب مع قوتها ودورها في ادارة النظام السياسي الدولي المعاصر الذي تحتكر قيادته ولا يوجد طرف دولي قادر بمفرده على ازاحتها من قمة هرم النظام الاحادي القطبية ناهيك عن وجود تهديدات قيمية وعسكرية تتمثل بالارهاب الدولي والكثير من التحديات التي لا زالت تملك القوة على تهديد استقرار المنطقة العربية والعراق خصوصًا. ولا يمكن تناسي الالتزامات الدولية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية متمثلة بالمعاهدة العراقية الامريكية واتفاقية الاطار الاستراتيجي فضلا عن القيادة الاميركية للتحالف الدولي لمحاربة داعش الارهابي وهذا ما يفرض على العراق اخذ كل تلك الالتزامات بنظر الاعتبار.

السيادة وفقًا لما تقدم يمكن فهمها على اساس الفهم العملي لحجم الدولة ووزنها الدولي وقدرتها على الايفاء بالتزاماتها وتعهداتها تجاه شعبها وتجاه محيطها الدولي بما لا يحقق الضرر لها ولاي طرف دولي اخر.

ما تقدم لا ينفي حق اي دولة في اقامة علاقات مع اي دولة والدخول في التزامات اخرى والانسحاب منها في الوقت نفسه بما لا يتنافى مع تعهداتها في سياق القانون الدولي وهذا امر ينطبق على التحالف الدولي لمحاربة داعش الارهابي والذي يمر اليوم بازمة دبلوماسية حادة جدا دفعت الحكومة العراقية الى اعادة النظر في مشاركة العراق في هذا التحالف وخصوصًا الوجود العسكري الامريكي المتمثل بالمستشارين الاميركيين في قاعدة حرير وقاعدة عين الاسد وغيرها نتيجة الاستهداف الامريكي ضد قادة الفصائل المسلحة والمواقع العسكرية في العراق والذي سبب تباعدا حادًا في وجهات النظر بين الطرفين ترتب عليه سجال دبلوماسي حاد بين الجانبين وتبادل الاتهامات وصولًا لمرحلة تدعو الى ضرورة اعادة النظر في هذا الالتزام بين الطرفين في وقت تشهد فيه المنطقة العربية توترًا كبيرًا نتيجة الاجتياح الاسرائيلي لقطاع غزة وكذلك التهديدات الملاحية في البحر الاحمر وهي كلها ازمات مترابطة في ظل وجود استقطاب اقليمي حاد ربما سيسهم في تصاعد التهديد لمستوى اكبر يؤثر على منظومة الامن الاقليمي والذي لا ترغب فيه واشنطن وفقًا لما تعلنه عبر متحدثيها .

ان قضية التواجد العسكري الامريكي من عدمه سوف لن يصون محتوى السيادة خصوصا وان هناك امكانية كبيرة عبر الطائرات غير المأهولة التي تمتلكها الولايات المتحدة في استهداف من تعدهم تهديد لمصالحها وقواتها فضلا عن الوجود العسكري الامريكي الكبير عبر قواعد عسكرية اميركية في الشرق الاوسط سواءً في الخليج العربي او في سوريا والعراق وتركيا الاردن وهي اساطيل ضخمة لا يمكن الاستهانة بها.

ان انهاء التواجد العسكري الامريكي اياً كانت صفته حق سيادي لكنه لا يمكن اختزاله ببساطة في تصريحات متناقضة هنا وهناك لا تأخذ في الحسبان اهمية اقامة علاقات دبلوماسية متوازنة مع الولايات المتحدة الامريكية قائمة على اساس الاحترام المتبادل والثقة ونظر كل طرف الى الاخر كحليف استراتيجي .

التضليل يكون بتناسي حجم المصالح وحجم العواقب فضلاً عن الاعتكاز على رواية طرف دون اخر او الاستناد الى سردية عابرة للحدود تتمثل في وجود صراع اقليمي متعدد المحاور يحاول ان يجر العراق اليه دون الاكتراث للعواقب, ومن الضروري معرفة من يحتاج الى الاخر هل الولايات المتحدة الامريكية تحتاج العراق ام العكس, فسعي العراق نحو تطوير بنية مؤسساته العسكرية والحصول على الخبرات اللازمة في هذا الصدد لا تقدمه سوى الولايات المتحدة الامريكية عبر مستشاريها العسكريين وكذلك الحصول على الاسلحة اللازمة والكوادر المؤله لاستخدامها استخداماً احترافي توفره الولايات المتحدة فضلا عن وجود دور مهم للمصرف الفيدرالي الامريكي والذي يحمي ودائع العراق المالية من الاستحواذ عليها من قبل الكثير من الاطراف الدولية التي لديها دعاوى قضائية دولية ضد الاموال العراقية منذ حقبة النظام السابق اذا ما علمنا ان تلك الودائع المالية مهمة للعراق لسداد التزاماته المالية لمواطنية بالدرجة الاولى ومن ثم اذا ما اختلفت الرؤية بين الطرفين فمن السهل امام الولايات المتحدة ان تفعل قرارات سابقة للكونغرس الامريكي برفع الحماية عنها خصوصا وان اسعار النفط غير مستقرة وتخضع لتقلبات سعرية فنية واخرى ترتبط بمستوى تطوير بنية الصناعة النفطية في العراق.

ان التغول بعيداً نحو محاولة انهاء العلاقة مع الولايات المتحدة او تقليل مستوى التعاطي معها يعرض العراق لمخاطر عدة خصوصا وان هناك اتهام امريكي للعراق بعدم حماية البعثات الدبلوماسية وربما هذا يقود الولايات المتحدة نحو تشكيل جبهة عالمية تستند لقرارات دولية من مجلس الامن تعيد العراق تحت البند السابع مرة اخرى او على الاقل تتهمه بتكوين جبهة معادية للمصالح الامريكية. ان العراق الجديد يمر بمرحلة تحولات مهمة تقتضي من صناع القرار فيه الاستماع الى وجهات النظر المختلفة والانفتاح اكثر على الاصوات الحرة والنظر الى المصالح الاستراتيجية للعراق بعيداً عن التجاذبات السياسية الداخلية او تلك التي لها صدى اقليمي لا يتناسب بالضرورة مع مصالح العراق كذلك تغليب المصلحة الوطنية ذات البعد البراغماتي بعيداً عن زاوية ايديولوجية وخطاب قومي يقوم على سردية واحدة يحاول اكتساب مشروعية سياسية آنية على حساب شرعية سياسية وقانونية.

4.3/5 - (6 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى