fbpx
مقالات

رؤية حول نشأة الإستبداد في الحكم الإسلامي

بقلم : محمد نبيل الشيمى

إن من العبث أن نخلط بين الصورة المثالية لما يتعين أن تكون عليه الدولة في نطاق حكومة ذات مرجعية اسلامية وبين الواقع إن الخلط قطعاً سيكون في صالح من يرى عدم إمكانية تحقيق الصورة النظرية الإسلامية عملياً ذلك أن هناك أموراً تعود للطبيعة البشرية والتي عادة ما تدفع بالقائمين على الدولة إلى الخروج على القواعد الحاكمة والثوابت التي تستند إليها نظرية الحكم الإسلامي ومن ثم الانفراد بالرأي وإساءة استخدام السلطة والتاريخ شاهد على ذلك وهناك من يرى أن حال الدولة الإسلامية قد تغير في عهد عثمان بن عفان وأن هذا التغيير أثار روح المعارضة لسياسات عثمان والاستياء منها وبعثت على التمرد عليه في المدينة وفي بعض الأمصار …

تحولت الخلافة في عهده إلى ملكية وكما يقول الأستاذ العقاد كان الموقف بين الخلاف والملك ملتبساً متشابكاً في عهد عثمان كان نصفه ملكا ونصفه خلافه … أو كان نصفه إمارة دنيوية … وهكذا تقابل الضدان اللذان لا يتفقان .. وبلغ الخلاف مداه على الرغم أن عهدي الخليفتين أبو بكر وعمر كانا أقرب إلى النظم الديموقراطية حيث كان قبول ورضا االناس هو الطريق إلى بيعه الخليفة واستمراره في قيادته الدولة الإسلامية …

لم يؤله المسلمون الخليفة وكانت هناك حرية رأي وحرية نقد موعارضة ومشورة … تقلد عثمان الحكم بدون أن يكون لديه برنامجا للحكم يقود من خلال الدولة ..وقرب أهله وولاهم علي الدواوين وحكم البلاد المفتوحةولم يكن ممن يقتلون النقد والمراجعة ولم يقبل التشكيك في ولاته أو الشكوى منهم علي الرغم مما كان يطالهم من شبهات ولم يحاسبهم على التبذير والإسراف … وكان ذلك مدعاة إلى حنق الناس عليه وحصار قصره في مرحلة لاحقة … هذا ما كان عليه عثمان باختصار .. لقد اختلف عن ابي بكر وعمر وكان ذلك مؤشراً على أن البشر هم الذي يصنعون الواقع ً …

كانت أفعال عثمان بداية حرمان بذور الديموقراطية من النمو والتي قضي عليها الأمويون تماماً تحت اسم الدين… وفرضوا بالقهر والسيف النزعة الاستبدادية والإقصائية بعد أن استولوا على الملك عنوة … صعد معاوية المنير وأنيري بخطاب نبرته عالية وبتحد واضح قائلاً “أما بعد فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم (بقصد الخلافة) ولا مسرة بولايتي ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالده “ومعاوية بهذا يعلن للناس أنه لم يتول الحكم برضا الرعية ولكن بالمغالبة والقدرة … واستمرارا في النهج الاستبدادي السلطوي أيضا تحت عباءة الدين…

بقول أيها الناس اعقلوا قولي فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة “منى” حكم الأمويون بالتفويض الإلهي .. وهي الفكرة التي استقرت بشده بل واشتد عودها مع وصول بني العباس إلى الحكيم … وقال المنصور قولته المشهورة “أنا سلطان الله في أرضه ,, هذه.. صورة لنشأة الاستبداد اعتمادا علي الدين ومنها انطلقت فكرة وراثة الحكم المستمدة من إضفاء القداسة على الخليفة وان من حقه توريث من يشاء حتي ولو كان المختار فاسدا ماجنا وفي سبيل كل ذلك كان الاغتيال والقضاء على المعارضين …

قتل الحسن بن على بمؤامرة وضع خيوطها معاوية وقتل غيره الكثير بين من الصحابه الذين لم يكن معاوية على وفاق معهم .. وكان ذلك بغرض توريث ولده يزيد بن معاوية الذي كان فاسقاً فاسداً جهولاً .. هذا الذي لم يتورع في استباحه المدينة وعاث فيها رجالة قتلا وتدميراً لم يرحم أحداً من آل رسول الله ومن الأنصار .. ثم ذهب إلى مكه ورمي الكعبة بالمنجنيق حتى تهدمت وعندما وصل العباسيون للحكم .. كان أول قول للسفاح عندما خطب الناس .. ماذا قال ؟ “استعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير” ويقصد بالمبير “المهلك” هذا السفاح بدأ حكمة بإخراج جثث خلفاء بني أمية من القبور وجلدها وحرقها ثم نتر رمادها … ومات السفاح وبعده جاء المنصور … الذي بدأ عهده بالحكم بخطبة حددا فيها برنامجه ,, أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده … وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطية بأذنه فقد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني فتحنى لإعطائكم وإن شاء أن يقفلني عليه أقفلني …

ظل المنصور على استبداد فاجر … غادر لم يأمن بوائقه أحداً فقد قتل أبى مسلم بعد أن منحه الأمان حتى عمة لم يسلم من غدره … وكان يرى فقط في السيف العلاج لمن يعارضه بقول أيها الناس أن بكم داء وهذا دواءه (يقصد السيف) .. كان حكماً استبدادياً تحت جناح الدين لا حوار ولا ديموقراطية ولا شورى هي لغة واحدة الدم وإزهاق الأرواح … هل ينسى أحداً تعذيب المنصور للأمام المستنير أبى حنيفة النعمان الذي رفض ولاية القضاء حتى لا يكون خاضعاً لهذا الطاغية فحبسة وجلده وودس له السم في الطعام .

هذه مجرد نماذج لنظام حكم قام على أساس الدين غابت فيه المساءلة والرقابة والمحاسبة وضاق الحكام باشوري والنقد و بحرية الكلمة والرأي ولم يروا غير الطاعة بالسيف طريقاً لاستمرارهم في احتكار السلطة والاستبداد بالناس … هذا كله حدث باسم الدين وتحت حماية الدين … بنظرية اخترعوها اسمها التفويض الإلهي الخارج عن ارادة البشر(تقوم هذه النظرية علي أن الحاكم يستمد شرعيته وسلطته من الله باعتباره القوة العظمي العليا التي فوضت شخص ما في الحكم وقد منحت هذه الفكرة الحاكم قداسة دينية ..فلا يحاسب علي تصرفاته وافعاله ) … الله لم يفوض أحداً كي يظلم ويجوز ويهتك الأعراض ويزهق الأنفس ويريق الدماء …الحكم باسم الدين نبيلاً في مقصده … ولكن الواقع العملي كان وما زال مؤسفاً … فالواقع أبداً لم يكن ولن يكون كما هو مقصد الدين .. أن التسليم بالحكم الديني هو تسليم لقوى لن تتورع أبداً في إهدار حريتنا وإرادتنا .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق