مقالات

القائد السياسي (الكاريزما ام الاداء)

اعداد : محمد غسان الشبوط – باحث سياسي واقتصادي مختص بألشان التركي

 

يمثل التغير في القيادة السياسية مدخلاً مهماً لتحليل النظام السياسي بوجه عام والنظام السياسي في الدول العربية بوجه خاص، بالنظر إلي الدور الشخصي المهم الذي تمارسهُ القيادة الحاكمة في أي نظام من النظم الأخيرة، ويمثل القائد السياسي محور العملية السياسية والظاهرة القيادية لأنه يمثل قمة النظام السياسي، وعليه من ناحية ثانية أن يؤدي عدة وظائف لها آثار هامة في حياة وتطور النظام والمجتمع السياسي.

وبهذا المعنى فإن القيادة السياسية ليست في جوهرها ظاهرة فردية تتعلق بشخص واحد قائد يمارس السلطة السياسية في المجتمع، فيمكننا القول أن القيادة كطبقة حاكمة تتضمن عنصرين هما القائد والنخبة السياسية، والقيادة كعملية تضم بالإضافة إلي هذين العنصرين الموقف والقيم، وإن كانت دراسات أخرى ذهبت إلى تحديد عناصر القيادة السياسية بشكل مغاير، فدراسة”سيسل جب” Cecila Gibb  القائد والأتباع والمواقف والمهمة كعناصر لعملية القيادة السياسية.

ودراسة أودين هولاندر Edwin P.Hollander ذكرت ثلاث عناصر للقيادة وهي القائد والأتباع والمواقف، في حيث اعتبرت دراسة فريد فيدر FredE.Feidler القيادة عملية تفاعل بين ثلاثة عناصر هي القائد والجماعة السياسية والفاعلية.

ولو حاولنا ان نضيف دراسة رابعة للقيادة السياسية، وهي الارادة في التغيير والتقيم بالاداء ،لاخذنا مثالا بسيط عن بعض الشخصيات التي تزعمت البلدان العربية بشكل عام والشخصيات التي تزعمت العراق بشكل خاص ونحاول تقييمهم من منظور الكاريزما والاداء لتواصلنا لنتيجة ان في كثير من القادة يتمتعون بكاريزما قوية لكنهم اخفقوا بادائهم السياسي في العراق،لكل شعب أو مجتمع نظرة خاصة بالقائد الذي يمثلهُ أو يتم اختياره لكن نظرة التقييم تختلف من مجتمع لمجتمعاً أخر.

لو رجعنا للعشرينيات القرن الماضي أبان تأسيس الحكومة العراقية في الحادي عشر من تموز 1921 ، قرر مجلس الوزراء العراقي برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب المنادات بفيصل ملكاً على العراق على ان تكون حكومته حكومة دستورية، نيابية ، ديمقراطية مقيدة بالقانون ،وقد أخذ بتسلم سلطاته الدستورية في 21 اب 1921، وبعد انتهاء حفل التتويجغادر الملك للعمل ، وابتدأ بالاتصال برجال البلد وقادتهم كما قام بجولات طويلة في مختلف الوية العراق ، وقد زادته هذه الجولات قناعة ان العراقيين عازمون على الالتفاف حوله ، والعمل معه لذلك وضع برنامجهُ الواسع في انهاء مشاكل العراق السياسية ، والشروع بتحديث العراق وبناء مؤسساته السياسية والادارية والعسكرية والقضائية ، والامنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية فحسم مشكلة المعاهدة مع بريطانيا سنة 1922 وعالج مشاكل الحدود مع السعودية ومع تركيا وحسم مشكلة الموصل ،وسادت العلاقات العراقية مع دول الجوار حالة من الاستقرار بفضل سياسة الملك فيصل ورجحان عقله.

لو حاولنا بعمل مقارنة بين الملك فيصل الاول،واخفقات ابنه الملك غازي الذي تسلم العرش خلفاً لوالده عام  1933الذي دعم الانشقاقات داخل الجيشالعراقي الذي قادهُ الى انقلاب بكر صدقي واسقاط حكومة ياسين الهاشمي ومقتل جعفر العسكري وهروب نوري سعيد كل هذا حصل في زمن الملك غازي وبايعاز منه ،كما لم يكن ايضا خيمة لجمع الاطراف المتنازعة بعكس والده الملك فيصل الاول،وبهذا سوف نلاحظ ان الكاريزما ليس لها اي اهمية في اختيار القائد انما الافعال والاداء هي السمة الحقيقية الملموسة في اختيار القائد لقد تطرقنا لمثال بسيط بما قام به الملك فيصل الاول من انجازات و نجاحات حقيقية ملموسة مقارنة باخفقات وتسرعات من قبل ابنه الملك غازي وبالاخير انتهت حياته بحادثة غامضة تماماً.

لو اخذنا مثالاً اخر عن بعض القيادات العراقية الاخرى التي لا يمكن ان تجاهلها بداية من قيام الجمهورية   وتسلم عبد الكريم قاسم لغاية انتهاء حكم صدام حسين ،لقدحدثتإبانحكمقاسممجموعةمنالاضطراباتالداخلية جعلت فترة حكمه غير مستقرة على الصعيد الداخلي،اولها اعدامه لكثير من الضباط الاحرا ر ٢٨ ضابط منهم رفعت الحاج سري و ناظم الطبقجلي و اخرين بعد احداث ثورة الموصل حيث اوجدت له اعداء داخل المؤسسة العسكرية،وسجنهُ لعبد السلام عارف،ثانياًالسماح للحزب الشيوعي بممارسة الاعدامات الميدانية من خلال مليشيات المقاومة الشعبية التي اعدمت المعارضين القوميين والبعثيين بدون محاكمات وتم سحلهم و تعليقهم على اعمدة الكهرباء ،هذه النقطتين جعلت لقاسم اعداء عسكريين و مدنيين و تحالفوا لاسقاطه فتم ذلك عام ١٩٦٣.

أما على الصعيد الإقليمي فقد أثار موقف عبد الكريم قاسم الرافض لكل أشكال الوحدة مع الأقطار العربية ، ومنها رفضه بالانضمام إلى الإتحاد العربي الذي كان يعرف بالجمهورية العربية المتحدة التي كانت في وقتها مطلباً جماهيرياً خيبة أمل لدى جماهير واسعة من العراقيين ولمراكز القوى والشخصيات السياسية العراقية والعربية ومنها الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فهنالك جدل وتضارب حول الإرث التاريخي لقاسم فالبعض يعتبره “نزيهاً وحريصاً على خدمة الشعب العراقي لم يكن يضع لشخصه ولأهله وأقربائه أي أعتبار أو محسوبية أمام المسؤولية الوطنية” وإتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين الذين تآمروا على الثورة، كما يراه السياسيون الاخرون بأنه أبعد العراق عن محيطه العربي من خلال قطع علاقاته الدبلوماسية مع أكثر من دولة عربية وانتهى به المطاف بسحب عضوية العراق من الجامعة العربية، وكذلك يتهمه خصومه بأنه ابتعد عن الانتماء الإسلامي للعراق بالتقرب من الشيوعيين وارتكب المجازر في الموصل وكركوك وأعدم الكثيرين من خصومه السياسيين والعسكريين وقرب أفراد أسرته من الحكم وأسند لبعضهم المناصب ومنح البعض الآخر الصلاحيات، تلاه اول رئيس للجمهورية العراقية عبد السلام عارف منذ 1963 ولغاية 1966.

في 16 يوليو 79 تولى صدام حسين قيادة حزب البعث في العراق ورئاسة الدولة، يتمتع هذا الرئيس بكاريزما خاصه ويشهد لها التاريخ العربي والغربي، منذ ان كان نائباً حتى أصبح رئيساً للجمهورية والقائد العام للقوات العراقية، لكنهُدخل باخفقات آثرت على البلاد خلال فتره حكمه ،بداية من حرب ايران مروراً بدخول الكويت الذي كلفت البلاد  كثيراً ،والحصار المفروض على العراق حتى قيام حرب عام 2003.

لو حاولنا ان نقيم بين عبد الكريم قاسم وصدام حسين من حيث الاداء ، حسب وجهة نظري الشخصية وتقيمي بالاداء لم اعطي للاي واحد منهما اكثر من ( 1%) نتيجة الاخفقات السياسية والاقتصادية للبلاد ، من خلال قراءتي لتاريخ العراق السياسي لم ولن اقتنع بأي قائد سياسي فلو ان اردت ان اقيم القادة االسياسين اعلاه بالاداء لا بالكاريزما سوف اختار، الملك فيصل الاول رحمه الله فهو الشخص الوحيد الذي يتمتع بكاريزما واداء ،واستحق ان يكون ملك وقائدا للعراق.

اما بالنسبة للدول العربية لو اخذنا مثالا عن آحدى الشخصيات السياسية التي استطاعت بناء دولة ذات كيان كبير رغم انها لا تتمتع بكاريزما قوية وجذابة لكنها نجحت بادائها السياسي وعلاقتها الخارجية وآصبحت قادرة ان تتحول الى كيان مهم في الشرق الاوسط والعالم على سبيل المثال ( الامارات العربية المتحدة ورئيسها الشيخ زايد ) الذي استطاع ان يجمع بين الامارات في كيان واحد تحت شعار دولة الامارات العربية الموحدة، وناخذ مثالاً اخر عن بعض الشخصيات العربية الاكثر صدى وتأثيراً اهمها ( جمال عبد الناصر وانور السادات ) شخصيتين كبيرتين لها كاريزما كبيرة ومؤثرة في مصر والدول العربية، لكن المجتمع المصري استطاع تقييم القائديين انور السادات و الرئيس جمال عبدالناصرمن خلال الاداء وليس الكاريزما ففضلوا الرئيس انور السادات ،كونه جعل من المجتمع المصري ان ينفتح على العالم الخارجي واستطاعوا ان يحصلوا على لقمة العيش بسهولة ، واليوم نحن كمجتمع عراقي لماذا لو تنازلنا ولو لمرة واحدة عن اختيار القائد السياسي بعيداً عن الكاريزما والطائفة والدين أو ي سمى آخر، ويكون خيارتنا مبنية على الاداء الذي يقدمه القائد آتجاه شعبه ولو اعطينا هذه الفرصة مرة واحدة للانفسنا لم نخسر اكثر ما خسرناه خلالالسنوات الماضية من قيام الدولة العراقية لحد الان..

1/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى