الاعلاميةالشرق الأوسطعاجل

تأثير الإعلام الساخر على شعوب الربيع العربي

 

اعداد :  شيماء الهواري – دكتورة في القانون العام و العلوم السياسية

جامعة الحسن الثاني الدارالبيضاء كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية المحمدية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

مع إنطلاقة ثورات الربيع العربي ظهر على الساحة نوع إعلامي جديد أطلق عليه الإعلام الساخر، أستغل جوّ الحريـة وكشف ما بنفوس الشـعوب من غضب جراء سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

الفقرة الأولى: تاريخ الأدب والفن الساخر:

تقف السخرية على رأس الأساليب الفنية الصعبة؛ إذ أنها تتطلب التلاعب بمقاييس الأشياء تضخيما أو تصغيرا، هذا التلاعب يتم ضمن معيارية فنية هي تقديم النقد اللاذع في جو من الفكاهة والإمتاع. غير أن أسلوب السخرية متطور ومتغييرعبر العصور.

إن الأدب الساخر لا يعني الضحك من أجل الضحك فهذا يسمى تهريجا، بينما الأدب الساخر هو كوميديا سوداء تعكس أوجاع المواطن السياسية والإجتماعية، ويقدمها الراوي أو الرسام… بقالب ساخر يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجرا في القلب. ويشمل هذا الأدب على كافة أنواع الإبداع الذي يطرح موضوعاته بسخرية.

يصعب علينا أن نحدد تاريخا دقيقا لظهور مصطلح السخرية في المجتمع الإنساني ومع ذلك يمكننا القول أنها موجودة منذ الأزل، منذ أدرك الإنسان ذاتيته وتميزه عن الآخر فظهر مصطلح السخرية مع تشكل الجماعات البشرية، وظهور مصطلحات القهر السياسي والتسلط.[1]

ويعتبر العصر العباسي بداية إزدهار الأداب والفنون العربية، وعرفت السخرية فيه نقلة نوعية؛ حيث توضحت معالمها وبدأت قواعدها الأولى تترسخ كفن قائم بذاته. لذا كانت هذه الفترة بداية فعلية لظهور الأدب الساخر خاصة وأن العديد من الكتاب والشعراء جعلوا منها أسلوبهم الخاص في الكتابة والتعبير عن روأهم للوجود ومواقفهم إزاء الواقع وتناقضاته، نذكر على سبيلالمثال قصص كليلة ودمنة لابن المقفع التي كتبت على لسان الحيوان للتعبير عن الفوضى السياسية السائدة آنذاك، كذلك فن المقامات ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري التي مزج فيها السخرية الضاحكة بالآلم العميقة… وكتب أخرى عديدة.

أما في العصر الحديث فقد حفل الأدب العربي بدوره بالصور الساخرة، لأن هذا الأسلوب لم يكن لتوجده ظروف الأمن والإستقرار بل هو ينبع من معاناة الشعوب نتيجة ويلات الإستعمار والقمع السياسي والركود الاقتصادي والتمزق الاجتماعي… وقد كان لهذا الوضع المتأزم وقع خاص في نفس المثقف العربي الذي يعيش حياته «مهملا مهمشا… كغيمة الصيف لا هو جانب البر ولا جانب البحر». هذه الفترة عرفت بروز أقلام أدبية ساخرة بين أدباء وشعراء إستغلوا هذه الظرفية لإبراز معانات المواطن العربي إبان مرحلة الإحتلال وبعده، فنجد من بين أهم هؤلاء الكتاب والشعراء نجد أحمد مطر* ومحمد نجم وأحمد الماغوط،…[2]

أما في ما يخص الفن الساخرمن صنف الرسوم كاريكاتيرية والمسرح نجد يعقوب صنوع الملقب بـأبو المسرح الساخر والذي كان من أوائل من أدخلوا الصحافة الساخرة إلى العالم العربي في اوائل القرن التاسع عشر،كما نجد الرسام الكاريكاتوري الفلسطيني الشهيد ناجي العلي الذي تميز برسم شخصية حنظلة التي ترمزللمواطن العربي المنكوب. أما على مستوى المسرح العربي الساخر الحديث نجد مسرح محمد صبحي ودريد لاحام ومسرح الرحباني…

أما بخصوص الإعلام الساخر الذي وجدنا صعوبة في تسميته إما الساخر أو الفكاهي أو الضاحك فهو حديث ومستجلب من الغرب، برز نجمه في العالم العربي إبان الثورات الربيعية العربية وإستمر بعدها إلى الآن.

الفقرة الثانية: إعلام أو أدب ساخر؟

خلال بحثنا الطويل عن المصطلح الحقيقي للكتابة الساخرة وجدنا أننا أمام دوامة كبيرة وتفرعات كثيرة يتعلق الأمر بجوانب عدة منها مسألة انتماء الكتابة الساخرة إلى الصحافة أو الأدب، فلازال الكثيرون يطلقون على الكتابة الساخرة وإن كانت مصاغة في إحدى الأنواع الصحفية على أنها أدب ساخر، في حين أنها وإن كانت قد كتبت بطريقة أدبية إلا أنها أقرب انتماء إلى الصحافة منها إلى الأدب ذلك لأن خصائصها وأهدافها تضعها في مصاف الإعلام.

وقد بحثنا مطولا عن مصطلح الصحافة الساخرة أو الإعلام الساخر ولم نجده حتى في كتب المصطلحات الإعلامية، ولا نعرف سبب غياب هذا المصطلح من الناحية الأكاديمية. قد نجد تكراره لدى العامة لكنه لم يؤطر كعلم! الإشكالية الأخرى تتمحور في إختيار المصطلح المناسب للكتابة الساخرة؛ حيث أننا إن أردنا الحديث عن الأسلوب الساخر في العصر الجاهلي استخدمنا لفظة هجاء ولكن ماذا لو أردنا الحديث عن الكتابة الساخرة في الأدب أو الصحافة فما هو المسمى أو المصطلح المناسب؟هل هي ساخرة، هزلية، ضاحكة، فكاهية، ترفيهية؟ إن المراجع والكتب الموجودة عن الكتابة الساخرة وهي جميعها لأساتذة كبار كل منهم إستخدم مصطلح مختلف عن الآخر؛ فمنهم من أسماها بالهزلية ومنهم من أسماها بالساخرة ومنهم من أسماها بالفكاهية.

والإشكالية الأكبر أن من أسماها بالهزلية رفض انتماءها كتابة فكرية لها هدف ورسالة إلى الفكاهة والعكس صحيح.يبدو أن أزمة المصطلح التي نقف عليها اليوم وقف عندها الغربيون أيضا وحاروا فيها، ولا نعرف تحديدا لماذا يثير هذا النوع من الكتابة إشكالية في تحديد المصطلح المناسب وتعريفه عالميا وعربيا؟! ففي عام 1771 نشرت الطبعة الأولى من المعجم دائرة المعارف البريطانية والذي وفق مؤلفه إلى نشر معجم بأكمله تتنوع المصطلحات والكلمات فيه إلا أنه يئس من أن يعطي لكلمة السخرية تعريفا مرضيا، فأحال القارئ إلى أثنين من المرادفات التقريبية، وكل مرادف منهما ينتمي إلى أصل مختلف كل الإختلاف في علم الدلالة. والآن ونحن في القرن العشرين لازال اللبس ذاته موجدا وذلك عالميا وليس عربيا، إذ يقول روبير اسكاربيت مؤلف كتاب”الفكاهة” «كان من المفترض أن يوضح المعجم الأحدث العلاقة بين الهزل والضحك والسخرية إلخ… ولكننا في القرن العشرين لم نتقدم كثيرا عن القرن الثامن عشر… إننا نستطيع أن نعرف الفكاهة بل نستطيع أن نعرفها مرتين بدلا من مرة واحدة وهذا معناه القول أننا لا نستطيع أن نقدم تعريفا لها، ومهما فعلنا نحصل باستمرار على نموذجين من التعريفات التي يتناقض حتما كل واحد منهما مع الأخر… علينا إذن أن نكتفي بتعريفين، حيث إننا لا نستطيع أن نقدم تعريفا واحدا!»

الإشكالية التي نعاني منها في تعريفنا للسخرية أننا نحتاج لنعطيها حقها في التعريف أن نتناولها من جهات عدة منها فلسفية ومنها لغوية ومنها نفسية إذ أنها تتعلق بكل ما ذكرنا، وكل ما نستطيع قوله بأن مصطلح السخرية هو «أقرب من غيره إلى الصحة وأن الكتابة الساخرة: هي عمل جاد للغاية تعالج قضايا مهمة وتحث على إتخاذ مواقف إزاء كثير من الأمور ولكن بطريقة ساخرة، تحاكي قضايانا الإجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، فتعري الواقع المعاش بطريقتها الخاصة التي تجعلنا نضحك منها وبالوقت ذاته نبكي حالا وصلنا إليه، هي التمرد على سلبيات المجتمع وآفاته، هي إبداع في البلاغة والإيجاز، ثورة فكرية ولغوية تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه ولكن بأسلوب مميز جدا».

الفقرة الثالثة: الإعلام الساخر

ظهرت برامج الكوميديا السياسية الساخرة التلفزيونية إبان وبعد الربيع العربي، ومن ضمن الأسماء الاعلامية الساخرة التي برزت إلى السطح نجد باسم يوسف مقدم البرنامج المثير للجدل البرنامج، الذي كان يذاع على قناة ONTV وبعدها على CBC وأخيرا على MBC مصر قبل أن يتوقف إنتاجه.

وهذا النوع من الكوميديا له تأثير كبير على الجمهور وخاصة فئة الشباب. لذلك من الواجب أن نعمل على تقديم تعريف للكوميديا الساخرة واستعراض المراحل التي مرت بها في الغرب الذي كان سباقا لها،ومن تم التركيز على تحليل محتوى برنامج البرنامج الساخر باعتباره أبرز نموذج عربي للاعلام الساخر السياسي المؤثر.

  • مفهوم الكوميديا السياسية الساخرة

ظهر هذا النوع من البرامج في اوروبا والولايات المتحدة منذ الستينات من خلال برامج ك:

  • That Was The Week That Was
  • Comedy Hour The Smothers Brother
  • Laugh-In
  • The Daily Show
  • LesGuignols

هذه البرامج أثارت الجدل كما أنها أبهجت الجمهور من ناحية وأغضبته من ناحية أخرى، مما دفع الأكاديميين الغربيين في مجال الإعلام إلى دراستها. وتم تعريفالكوميديا السياسية الساخرةعلى أنها «القوة الرائعة التي تعبر عن مشاعر الرأي العام لتعزيز الثقافة المتحضرة وفكرة المواطنة للجمهور وذلك بإثارة النقاش السياسي لجذب الجمهور إلى عالم السياسة بمهارة وإبهار»، أو هي «تفريغ للعواطف البشرية مثل الشعور بالغضب، الخزي، الاشمئزاز، السخط، الاحتقار وغير ذلك، بتعبير مضحك وبسيط». فمهمة الساخر أن يفرغ هذا الغضب والإحتقان من خلال إعلانه عن الحقيقة التي يمكن أن تكون أخلاقيةوسياسية… فالساخر يرى أن من واجبه التمييز بين الصواب والخطأ في المجتمع ومهاجمة الخطأ دون تحفظ. إن ما يمكن إدراكه أن أهم دعائم الكوميديا الساخرة ترتكز على تفريغ غضب الجماهير وسخطها من خلال السخرية من العامل الذي يغضبهم، وبالتالي يحجم عامل السخط ويصغر بطريقة تثير ضحك الجماهير.

  • برنامج “البرنامج”

إبان الربيع العربي تم انتاج العديد من البرامج السياسية أو التوك شو، لكن في صنف البرامج السياسية الساخرة كان برنامج “البرنامج” لمقدمه باسم يوسف الاشهر من بين جنسه. لقد عرف هذا البرنامج نسب مشاهدة عالية من بين جميع شرائح المجتمع العربي،واشتهر بنقده اللاذع لسياسة الإخوان المسلمينوكان لهذه الانتقادات الآثار القوية على عقلية المواطن العربي وتوجهاته السياسية،والأثر الأكبر على مقدم البرنامج الذي تم توقيف برنامجه من قناة فضائية لأخرى وصولا إلى قناة MBC مصر التي لم يستمر ببث برنامجه عبرها إلا فترة قصيرة وبعدها تم إيقافه خوفا من تأزم العلاقات المصرية السعودية. لكن مقدم البرنامج لم يسلم من إضطهاد الحكومات المصرية الإخوانية والعسكرية؛ حيث رفعت ضد شخصه وبرنامجه العديد من القضايا أمام القضاء المصري، وهو الان ممنوع من دخول التراب المصري ويعيش بين دولة الإمارات العربية والولايات المتحدة الامريكية التي يُتهم بكونه عميلا سياسيا لها، خاصة وأنه العربي الوحيد الذي نزل ظيفا على البرنامج الامريكي الاشهرThe Daily Show الساخر، والذي استقى منه باسم يوسف موضوع برنامجه اضافة الى تواجده المتكرر على القنوات الامريكية البارزة.

وفي دول المغرب العربي وخاصة في تونس عرفت قناة نسمة هذا النوع الإعلامي السياسي الساخر من خلال برنامج الدمى المتحركة الغينيول أو Les Guignols الذي كانت تجسد فيه الدمىشخصيات السياسيين العرب وحتى رؤساء الدول والملوك. وقد كان هذا البرنامج نسخة عن البرنامج الفرنسي الذي حمل نفس العنوان. وبسبب الضغوطات السياسية تم إيقاف النسخة التونسية من البرنامج. وقد عرف المغرب هذا الصنف أيضا من خلال برنامج ساسا يسوسو الذي بتثهإذاعة MFM Radio والذي اتخذ من سياسات حكومة عبد الاله بنكيران موضوعا لسخريته،بعد ذلك توسع البرنامج الإذاعي ليشمل كافة المواضيع التي تهم الشأن العام المغربي سواء الإجتماعية والثقافية…

الخاتمة:

يعتبر برنامج البرنامج من أجرء البرامج التي ناقش الكثير من المحظورات العربية مما جعل بعض حكومات المنطقة تعمل على ايقاف انتاجه وتعويضه ببرامج تخدم النظام والسياسة الجديدة عبر تقديم إعلام هزلي لا رسالة إجتماعية ولا سياسية يمثلها؛ ومثال ذلك البرنامج الذي أضحت تقدمه فضائية MBC مصر كبديل لبرنامج البرنامج وهو برنامج أبو حفيظة وفي MBC الأولى برنامج الليلة مع بدر صالح وهي برامج لا تمت للإعلام الساخر السياسي الهادف بأي صلة تذكر.

لائحة المراجع

_ الأدب الساخر: أنواعه وتطوره على مدى العصور الماضية: شمسي واقف زاده، فصلية دراسات الأدب المعاصر، السنة الثالثة، العدد الثاني عشر

_ فن السخرية في أدب حبيب كيالي: نعسان أغا رياض، مجلة الفكر، 11 يونيو، 2007.

[1]_ فن السخرية في أدب حبيب كيالي: نعسان أغا رياض، مجلة الفكر، 11 يونيو، 2007.

*_ يقول احمد مطر ساخرا من قمع الساسة العرب: « قرأت في القرآن: تبت يدا أبي لهب فأعلنت وسائل الإذعان..أن السكوت من ذهب أحببت فقري.. لم أزل أتلو: وتب.. ما غنى عنه ماله وما كسب فصودرت حنجرتي بجرم قلة الأدب وصودر القرآن… لأنه حرضني على الشغب». وقال معروف الرصافي ايضا عن القمع السياسي العربي في قصيدته “يا قوم لا تتكلموا”: « يا قوم لا تتكلموا..إن الكلام محرم! ناموا ولا تستيقظوا..ما فاز إلا النوام!… أما السياسة فاتركوا…أبدا وإلا تندموا، إن السياسة سرها… لو تعلموا مطلسم(…)».

[2]_ الأدب الساخر: أنواعه وتطوره على مدى العصور الماضية: شمسي واقف زاده، فصلية دراسات الأدب المعاصر، السنة الثالثة، العدد الثاني عشر، ص: من 101 و111 ومن 116 إلى 118.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى