الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

توافق الضرورة: إلى أي مدى تؤثر أزمات دول حوض النيل على أوضاع القارة

اعداد : احمد محمد محمود حسن – باحث متخصص في العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

بيد أن ما يطفو على سطح القارة الأفريقية اليوم من أزمات تستعر لهيبها- وبالأخص تلك التى نشاهدها بين دول حوض النيل في الأونة الأخيرة-هى  نبتاً غير صالح لأعوام عديدة من التوترات المتبدالة والمتجذرة في صميم الأنظمة السياسية لدول حوض النيل في بعض منها وفي أعماق شعوبها في بعض أخر.وهو ما تموضعفي عدد ليس بالقليل من التحولات السياسية السريعة التى تجد مجراها في عدد من دول حوض النيل موضوع الدراسة كمصر وأريتريا، والسودان واثيوبيا فيما يطلق عليه بثنائية تحالفات حوض النيل الأمر الذى حدا بالباحث إلى محاولة مراقبة ما يحدث عن كثب  للوقوف على مجريات الاحداث والتبؤ بمالات الأموراستناداً إلى الخبرات المتراكمة في هذا الصدد.

وفي سياق كهذا الذي عرضناه انفا تطرح العديد من التساؤلات أهمها، إلى أى مدى تؤثر الخلافات المتراكمة بين مصر والسودان واثيوبيا  واريتريا على خريطة التحالفات وأوضاع الاستقطاب الأقليمي؟ ما هى المسارات المتوقع أن تأخذها هذه الأزمات وفقا لفرص التسوية وتحديات التنمية  وتهديدات الحروب ؟

جذور الخلاف : أزمة سد النهضة ومثلث حلايب وشلاتين

في خضم التحولات السريعة التى تشهدها رباعي دول حوض النيل نجد أن هناك عامل مشترك قد أثر منذُ فترة ليست بالقليلة على المعادلات الاقليمية للرباعى المتنازع  وهوما تمخض عنه كل ما نراه من ارهاصات لتأزم الأوضاع على النحو الذى يلوح في الافق، بيد أنه الخلاف المتمحور بين مصر والسودان حول منطقة حلايب وشلاتين من جانب، ومصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة من جانب أخر. والتوترات المتصاعدة بين الفنية والأخرى بين دولتي إثيوبيا واريتريا منذ زمن على أثر قيادة الأخيرة لحرب الاستقلال من جانب ثالث. فعلى صعيد منطقة حلايب- الواقعة على الحدود الرسمية بين مصر والسودان بالتحديد على ساحل البحر الأحمر والبالغ مساحتها حوالى 20كيلو متر مربع- فما تفتأ أن تستقر العلاقات بين مصر والسودان حتى تعكر صفوها الجدالات التي تٌثار بين الفنية والأخرى حول أحقية كلا منهما بها، وهو ما اٌثير في الفترة الأخيرة من جديد باعلأن السودان أحقيتها في مثلث حلايب وشلاتين الكائن تحت السيطرة المصرية وأدعائها بأنها جزء لا يتجزأ من الأراضى السودانية، ناهيك عن الشكوى المقدمة من قبل السودان ضد مصرفي الأمم المتحدة بشأن أتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية [1].وفي جانب أخر كانت قضية سد النهضة الاثيوبي- الذى من المتوقع أن يؤثر سلباً على نصيب مصر من المياه والذى تنظر اليه مصر على أنه أحد مهددات أمنها القومي في الوقت الراهن-من أكثر القضايا الشائكة المستعصية على الحل بين مصر واثيوبيا خصوصا بعد تعثر المفاوضات  أكثر من مرة ووصولها إلى طريق مسدود، وهو ما جاء مؤخرا في اعلان وزير الري المصري بأن مصر قبلت التقرير الاستهلالي الذي قدمه الاستشاري الفرنسي “بي آر إل”، بينما رفضته إثيوبيا ،ما أدى إلى تعثر استكمال الدراسات وهو الأمر الذى أقلق مصر من توجه إثيوبيا لبدء ملء السد قبل اكتمال الدراساتخصوصا مع حرصها على أن يكون  الملء الأول مستندا لاتفاق يعتمد على نتائج التقرير النهائي للدراسات.[2] وفي ظل هذه التطورات التى تمتد جذورها في الماضي السحيق  ظهرت العديد من الأزمات المتفاقمة لتتموضع على سلم أولويات رباعي حوض النيل .

تحالف الضرورة: ثنائية حوض النيل

شكلت التغيرات الدراماتيكية التى كشفت عن نفسها مؤخرا بين الرباعى المتنازع  أسس راسخة لأوضاع جديدة تأخذ في أعتبارها حساسيات الماضى وتداعيات  المستقبل لينهض على أسسها محورين جديدين يبدو وكأنهماعلى طرفي نقيض فرضتهما ضرورة التوافق أمام عدو مشترك فيما يعرفه الباحث بثنائية حوض النيل .فهذه الاوضاع الجديدة شكلت أساس متين لحلفين تختلف وتبتعد مصالح دولهما أكثر مما تتفق وتتلاقى، وهو ما تم رصده مؤخرا بالتوافقات التى حدثت بين مصر وأريتريا- العدو اللدود لإثيوبيا-  من جانب، وأثيوبيا والسودان من جانب أخر.فقد أعلن رسميا من جانب السودان عن وجود تعزيزات عسكرية مصرية في اريتريا ومعلومات مؤكده بأن مصر تتحسب الانخراط في عمل عدائي تجاه السودان وهو ما نفته مصر مؤخرا إلا أن زيارة الرئيس الاريتري اسياس افورقي للقاهرة قد تٌأكد في خضم هذه التصريحات أن حلفاً ما قد يتشكل في الحسبان بين القاهرة واريتريا أو أن الايام المقبلة سيكتنفها مستجدات قد تطرأ على علاقات الدولتين تجاه خصمهما المشترك-  إثيوبيا-أذا ما قدر لأزمة سد النهضة وأن اتخذت منحى عسكرياً غير الذى تسير فيه الأن- وهو أمرا جِدّ خطير- نتيجة لعجز الطرفان عن الوصول إلى حل سلمياً يُرضي جميع الأطراف. أما على الجانب الأخر فقد تشكل تحالف ينضوى تحت لوائه كلا من اثيوبيا والسودان خصوصا بعد أن انحازت السودان للجانب الاثيوبي واعلانها صراحة بأنها سوف تستفيد من توليد اثيوبيا للكهرباء، وهو ما قد تجسد في أعلان وزير الخارجية الاثيوبي ورقيني قبيو عن الأتفاق مع الجانب السوداني حول استراتيجية موحدة لمواجهة تحولات المنطقة الأخيرة ونشر قوة مشتركة لتأمين الحدود بينهما وحماية سد النهضة.وفي سياق كهذا الذى عرضناه نصبح أمام احتمالية قوية لتشكيل محورين جديدين على طرفي نقيض وإن كانا أقرب إلى المرونة والتغير منه إلى الجمود والثبات .[3]

الاستقطاب الإقليمي وتأزم الأوضاع

لم تخلو أزمات رباعي حوض النيل الأخيرة من مخاطر الأستقطاب الإقليمي التي تؤدي بدورها إلى تأزم الأوضاع وتعثرها أكثر من حلحلتها وتسويتها على النحو الذي يعقد الأمور ويزيد من مخاطر الاندفاع نحو تحلفات إقليمية أشد صلابة وجموداً.فمن بين الأسباب التى أدت إلى تأزم الأوضاع بين السودان ومصر على النحو الذى نراها عليه الأن التطورات التى حدثت في علاقات السودان بتركيا وقطر-  الخصمان الإقليميان لمصر- لا سيما بعد أجتماع رؤساء أركان تركيا وقطر والسودان بدولة السودان واستئجار تركيا لجزيرة سواكن السودانية وهو ما يعني الوجود التركي في البحر الأحمر الذى اعتبرته مصر تهديداً صريحا لأمنها القومي.[4]وعلى الجانب الأخر فأن التواجد الأماراتي المساند لمصر في أريتريا يعني بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمارات اصبحت عامل مهم في معادلة التحالفات الاقليمية بحوض النيل.

سيناريوهات محتملة:

إن التنبؤ بمآلات الظواهر السياسية أمراً من الصعوبة بمكان لعوامل عدة تتعلق بطبيعة الظواهر الإجتماعيةوالسياسية نفسها المتقلبة بإستمرار، لذا سيحاول الباحث وضع ثلاثة سيناريوهات محتملة لتأثير أزمات رباعي حوض النيل على أوضاع القارة وهيكل التحالفات

  1. تماسك الحلفين وتأزم الأوضاع (السيناريو الراديكالي التشاؤمي )

يتمثل هذا السيناريو بالأساس في  أن الأزمات التى تعتري رباعي حوض النيل ستكون مدعاة  لتشكيل محورين-محور مصر إريتريا من جانب ومحور إثيوبيا السودان من جانب أخر- وتماسكهماإلى أطول فترة ممكنة وبدورها ستدفع بالأوضاع نحو التأزم مما يزداد معه أحتمالية أندلاع مواجهات مسلحة بين حلفين يغلب عليهما طابع الجمود .وما يزيد من قوة هذه الفرضية المطروحهتسارع الأوضاع بوتيرة سريعة في الفترة الاخيرة نحو التأزم ولا سيما والتصعيد السوداني الإثيوبي الأخير وأعلانهما تشكيل قوة مشتركة لحماية حدود السودان وسد النهضة ناهيك عن تعثر مفاوضات سد النهضة أكثر من مرة بين مصر وإثيوبيا  واثارة قضية حلايب وشلاتين في الأونة الأخيرة وتواتر الجولات المكوكية  بين المسئولين الرسمين لتلك الدول في الفترة الأخيرة وهو ما يصب في النهاية في كأس تأزم الأوضاع ويسرع وتيرة التهديدات التي قد تطول  دول المحورين المتناقضين.

2.استمرار الأوضاع بنفس الوتيرة دون حل أو تأزم  ( السيناريو الخطي )

يتمثل هذا السيناريو في أن الأوضاع بين رباعي حوض النيل ستبقى على نفس الوتيرة التي تسير بها الأن طوال الفترة المقبلة دون أن يكون هناك أدني احتمالية لتسوية الأزمات ومن ثم تداعي الحلفين أو تأزم الأوضاع ومن ثم تماسك الحلفين على النحو الذى يضعنا أمام محورين متصارعين يغلب عليهما طابع الجمود .ويستند هذا الطرح إلى الخبارات السابقة في هذا الصدد حيث لطالما تصاعدت التصريحات والجولات المكوكية بين رباعي حوض النيل وبقي الوضع الحالى القائم على الحرص والحيطة يخيم على علاقات هذه الدول ببعضها دون أن يتخطاها .

3.تداعي الحلفين وتسوية الأزمات (  السيناريو الإصلاحي التفاؤلي )

يتمثل هذا السيناريو بالأساس في أن الحلفين القائمين بين رباعى حوض النيل هما حلفان ذوا طبيعية مرنة سرعان ما تختفي أسباب وجودهما ثم تتحللوتتلاشي فتتداعي وتموت .وهو ما يتحقق بتسوية قضية سد النهضة وحلايب وشلاتين .وما يعمق من قوة هذه الفرضية استبعاد الخيار العسكري كحل لقضية سد النهضة خصوصا مع قرب الانتهاء من السد والمخاطر الجمة التي قد تترتب على نهج هذا المسار وتزايد فرص الحل في الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الاثيوبي إلى مصر، ناهيك عن أن الشعبين المصري والسوداني تربطهما وشائج عميقة تأصلت عبر التاريخ مما يستعبد معه إي أحتمالية لأن تجرى الأوضاع المستقبلية بين الدولتين مجرى الصراع المسلح  ويمكن تفسير التطورات غير الودية التى حدثت في الأونة الأخيرة بين الدولتين فى ضوء الفشل الداخلى وتعثر التنمية مما استوجب معه البحث عن أنتصارات خارجية تقلل من  أخطار إثارة الرأى العام السوداني الداخلي.

وأخيراً فإنه من الصعوبة بمكان ترجيح كفة أي من السيناريوهات سالفة البيان لاعتبارات عدة  تتعلق بطبيعة الظواهر الاجتماعية المتقلبة باستمرار  وإن كان الباحث يميل إلى السيناريو الثالث الذي يدور حول فرضية تفكك الحلفين وتسوية الأزمات لتماشيه مع ما يجري على الساحة من أحداث.

[1]https://arabic.cnn.com/middle-east/2018/01/11/sudan-egypt-parliament ، تاريخ الدخول 16/1/2018

[2]http://www.masrawy.com/news/news_cases/details/2017/12/22/1225605 ، تاريخ الدخول 16/1/2018

[3]http://www.bbc.com/arabic/middleeast-42681867تاريخ الدخول، (17/1/2018)

[4]https://www.skynewsarabia.com/web/article/1007891تاريخ الدخول، (17/1/2018)

  • المركز الديمقراطي العربي – القاهرة 17-1-2018
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق