الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الناتو العربي – بين الطموح الأمريكي والواقع العربي

اعداد الباحث : محمد فوزي – المركز الديمقراطي العربي

 

أعقب القمة ( العربية الإسلامية – الأمريكية ) التي عقدت في الرياض في مايو 2017 والتي كان من أبرز نتائجها مواجهة التدخلات الإيرانية في الشرق الأوسط ،  إعلان الرئيس ” ترامب ” في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 2018 أن بلاده تتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن لإقامة تحالف استراتيجي لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة ،ثم دعا وزير خارجيته ” مايك بومبيو ” نظرائه من هذه الدول العربية لإجتماع علي هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك ، وخرج عن الإجتماع بيان أشار إلي أن وزراء الخارجية اشتركوا في نقاش إيجابي حول إنشاء تحالف استراتيجي شرق أوسطي ، يستهدف تحقيق الرخاء وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة ، وقبل هذا الاجتماع كان مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الخليج ” تيم ليندر كينج ” صرح لإحدي الصحف الإماراتية بأن المهام الرئيسية لهذا التحالف ستتمثل في إدارة الأزمات في سوريا واليمن ومواجهة التمدد والنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة .

ثم جاء ” مايك بومبيو ” في زيارته الأخيرة لمصر ومن خلال الكلمة التي ألقاها في حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة ليجدد الدعوة لتشكيل تحالف عربي أمني عسكري مكون من دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة لمصر والأردن يكون هدفه محاصرة طهران والوقوف ضد توسعها الإقليمي .

الفكرة ليست بجديدة  :

بعد إعلان بريطانيا عزمها علي الإنسحاب من الخليج عام 1967 ، صرح ” يورجن روستو ” وكيل الخارجية الأمريكية في فبراير 1969 أن بلاده تسعي لإنشاء تكتل أمني يشمل تركيا وإيران وباكستان والسعودية والكويت ، لحفظ الأمن ضد التهديدات السوفيتية واليسارية .

وحينها قوبلت الفكرة بالرفض من قبل معظم الأطراف المعنية ، ولكن الفكرة لم تمت وأعقب ذلك زيادة في التمدد الأمريكي داخل المنطقة والتورط في صراعاتها ، وعادت فكرة الإعتماد علي الحلفاء الإقليميين للظهور بقوة في 2015 عندما دعا الجنرال مايكل فلين رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية السابق امام احدي لجان الكونجرس إلي ضرورة إنشاء هيكل دفاعي عربي شبيه بحلف الناتو لمواجهة ايران. وفي عامي 2016و2017، ترددت فكرة إنشاء ناتو عربي في مطبوعات مركز لندن للدراسات الاستراتيجية وهو مركز للأبحاث في واشنطن, وكان من أبرزها دراسة للجنرال فلين عن مشروع الناتو العربي, وجدير بالذكر أن الرئيس دونالد ترامب عينه لعدة أسابيع مستشارًا للأمن القومي.

نماذج لتحالفات عسكرية في المنطقة :

وبشكل عام لا تعد فكرة التحالفات العسكرية العربية وليدة اللحظة بل هي فكرة تعود إلي ما قبل 1950 ، حيث تم تشكيل عدة تحالفات كان بعضها له أهداف استراتيجية والبعض الآخر له أهداف وقتية ، ومن أمثلة هذه التحالفات :

  • 1- معاهدة الدفاع العربي المشترك : وهي المعاهدة التي تم توقيعها بين دول الجامعة العربية في 1950 .
  • 2- منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط : وهو أحد الأحلاف التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في عام 1955 ، حيث تم انشاءه لمواجهة المد الشيوعي ، وكان يتكون إلي جانب بريطانيا من تركيا وإيران وباكستان والعراق .
  • 3- قوات حلف الجزيرة المشتركة : وهي قوات عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي وتم إنشائها عام 1982. بهدف حماية امن الدول الاعضاء مجلس التعاون الخليجي وردع أي عدوان عسكري عليها .
  • 4- وعقب الغزو العراقي للكويت في 1991 تشكل تحالف ” وقتي ” كان هدفه إخراج القوات العراقية من الكويت ، وسميت هذه الحرب حينها ” حرب تحرير الكويت ” ، وانضمن الدول العربية إلي هذا الحلف ماعدا الأردن ، واتخذت الولايات المتحدة السعودية مقرا للعمليات .
  • 5- هذا وتعتبر حرب أكتوبر 1973 نموذج للتحالف العربي ” الغير رسمي ” حيث شهدت الحرب تضامن ومساهمات عسكرية من العديد من الدول العربية .

لكن معظم هذه التحالفات لم يكتب له الاستمرارية ولم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي أنشئت من أجلها ، لأسباب متعلقة بإرادة كل دولة من الدول المشاركة في التحالفات بناء على نصيبها من السيطرة. أما التحالفات التي تم تشكيلها من أجل أغراض وأهداف تكتيكية محددة فقد حققت نجاحات نسبية، مثل مساعدة بعض الدول لمصر في حرب أكتوبر أو التحالف الذي شُكل من أجل رد الغزو العراقي عن الأراضي الكويتية.

أهداف ” الناتو العربي ” :

بحسب القائمين على فكرة إنشاء هذا الحلف فإن التهديد الأكبر يأتي من الضفة الشرقية للخليج العربي، أي أن الهدف هو إقامة تحالف عربي سني لمواجهة المد الشيعي والتهديد الإيراني داخل البلدان العربية.

هذا بالإضافة لتوجيه ضربات نوعية لوكلاء إيران في المنطقة ، بالإضافة لمكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة .

  • الواقع العربي :

ولكن القارئ للمشهد العربي يدرك أن هنالك العديد من المقتضيات التي تتعارض وإقامة هذا التحالف وتتمثل هذه المقتضيات في :

1- الفكرة تفترض اتفاق في الرؤي والتوجهات السياسية بين دول مجلس التعاون الخليجي ، وهو ما ليس له وجود علي أرض الواقع ، فهنالك خصومة بين قطر وثلاث دول من مجلس التعاون الخليجي ، هذا بالإضافة إلي سلطنة عمان التي تسلك منهجا مستقلا في سياستها الخارجية، فلم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع العراق إبان حربها ضد ايران ، ولم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع ايران وقامت بدور الوساطة وترتيب مباحثات سرية بين أمريكا وإيران قبل توقيع الاتفاق النووي عام 2015 ، وقطر احتفظت بعلاقات جيدة مع إيران   ، رغم الضغوطات الخليجية عليها لقطع العلاقات معها، إلا أنها لم تستجب لذلك، ويرجع ذلك إلى الرغبة القطرية في تعزيز دورها إقليمياً، فعملت على تعزيز علاقاتها مع طهران، إلى جانب غيرها من الدول الإقليمية المختلفة، وحتى تعمل كوسيط بين إيران أو حلفائها وبين الدول الخليجية، وهو ربما ما يفسر تدخل قطر في الصراع بين علي بن عبد الله صالح والحوثيين ما قبل الأزمة اليمنية، إلى جانب ذلك فقطر ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع إيران، خاصة وأن معظم غاز قطر يأتي من حقل الشمال المرتبط بإيران؛ ما جعل هناك مصالح اقتصادية قوية تعوق دون رضوخ قطر لطلبات الدول الخليجية، هذا إلى جانب الرغبة القطرية في التعبير عن نفسها باعتبارها دولة إقليمية بفضل ثرواتها الاقتصادية بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو حجمها أو حجم الكم البشري بداخلها، وبالطبع كان هذا سبباُ رئيسياً آخر لقطع العلاقات مع قطر .

2- أن الولايات المتحدة تنطلق في تصورها من أن الخطر الأساسي وأكبر التهديدات في المنطقة هو التمدد الإيراني ، متجاهلة في المقابل الخطر الأساسي علي مدار سنوات طويلة وهو الصراع العربي – الإسرائيلي ، وهو ما يمثل محاولة من الجانب الأمريكي لإعادة تشكيل دوائر الصراع العربية والتي كان في مقدمتها علي مدار عقود الصراع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية ، والسعي لإستبداله بالصراع ( العربي – الإيراني ) وجعله هو الصراع الأساسي وصاحب الأولوية ، مما سيؤدي إلي تخفيف تكلفة الدور الأمريكي في المنطقة وتأمين مصالح الولايات المتحدة وحليفها الاستراتيجي إسرائيل .

3- ما يتعلق بأزمة المصداقية التى تعانيها إدارة ترامب، فكثير من التصريحات والمواقف والسياسات تبدو متناقضة بل وتتغير باستمرار بحيث يصعب أحيانا التنبؤ بها، يستوى فى ذلك أسلوب تعاملها مع حلفائها أو خصومها، وإحدى أهم المفارقات بهذا الخصوص هى تزامن دعوتها لمثل هذا الحلف العربى بهجومها غير المسبوق على الناتو الأصلى وشركائها الأوروبيين بحجة عدم الوفاء بالتزاماتهم فى زيادة ميزانيات الدفاع وحجم مساهمتهم المالية فى الحلف, والأكثر من ذلك هو تشكيك ترامب نفسه فى قدرة الناتو على مواجهة التحديات الأمنية على مستوى العالم, ما أدى من وجهة نظره إلى إخفاقه فى تسوية النزاعات  .

ملاحظات أخيرة :

* يمكن الخلاص مما سبق إلي أن هذا التحالف المزمع إنشاؤه يهدف بشكل رئيسي إلي شغل العرب بصراع عربي – إيراني ، مع السعي لتدمير إيران وإعاقة مشروعاتها النووية والعسكرية ، بما يضمن مصالح الولايات المتحدة وحليفها الإستراتيجي ” إسرائيل ” .

* ملئ فراغ انسحاب أمريكا الدولي وتفادي دخولها في حروب جديدة وتكليف الوكلاء في المنطقة بذلك ، وبالتالي تفادي ” الأفول ” الأمريكي عالميا ، وفي هذا الصدد لا يمكن تجاهل تصريحات ترامب بضرورة استعادة المليارات التي أنفقتها أمريكا في الحروب السابقة .

* تضمين هذا التحالف بعد مذهبي أو ديني واقتصار عضويته علي دول بعينها وتحويل المواجهة كما ذكرنا إلي محور سني ومحور شيعي سوف يزيد الإنقسام في العالم العربي ولكن هذه المرة بشكل ” مؤسسي ” .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق